الرئيسية > اخبار مختارة > مزهر الشاوي يتحول في زمن الفساد الى مثال للنزاهة ويحوز أول تمثال لشخص بالبصرة بعد صدام

مزهر الشاوي يتحول في زمن الفساد الى مثال للنزاهة ويحوز أول تمثال لشخص بالبصرة بعد صدام

لم يكن مزهر اسماعيل الشاوي من أبناء محافظة البصرة، ولم يكن رباناً أو مهندساً بحرياً وانما كان قائداً عسكرياً برتبة لواء ركن عندما عينه الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1958 مديراً عاماً لمصلحة الموانئ التي يقع مقرها في البصرة، وفي غضون خمس سنوات قضاها الشاوي في منصبه جعل من الموانئ العراقية من بين أفضل الموانئ التجارية في العالم.

لكن الشاوي وما انجزه بقي طي النسيان لحين كثر الحديث عن الفساد الإداري والمالي والتقصير الوظيفي خلال السنوات الأخيرة فعاد الشاوي الى أذهان البصريين فوصف بـ”المصلح الإجتماعي”، وتحول الى رمز ومثال للإخلاص والنزاهة، لتبادر إحدى شركات المقاولات بنصب تمثال له قرب مقر الشركة التي كان مديرها.

تطور الموانئ في عهد الشاوي
ويعتبر خبراء الملاحة في البصرة أن الشاوي استطاع الانتقال بالموانئ العراقية إلى مستويات عالمية كما جعلها المركز البريدي لدول الخليج، ويلفتون إلى ان ما صنعه في أواخر خمسينات القرن الماضي ما زال في الخدمة حتى الآن.

ويقول الخبير الملاحي الكابتن البحري كاظم فنجان الحمامي في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “الموانئ العراقية بلغت قمة عظمتها في عهد اللواء الركن الراحل مزهر الشاوي، وبفضله صنفت آنذاك ضمن أفضل الموانئ التجارية في العالم”.

ويوضح أن “الشاوي حقق إنجازاته من خلال تقديم أحسن الخدمات البحرية للسفن الأجنبية الوافدة، وبناء الأرصفة الجديدة، وتجهيزها بأحدث المعدات والرافعات ومعدات المناولة، إضافة الى تعاقده على بناء السفن الخدمية والتخصصية من حفارات وساحبات بحرية وسفن للتنوير وزوارق للإرشاد البحري”.

ويلفت الحمامي الى أن “السفن العراقية العاطلة كانت ترسل الى الهند لغرض تصليحها لكن الشاوي سارع بعد توليه منصبه الى استيراد الحوض العائم (اجنادين) المصمم لتسفين وتصليح السفن الكبيرة، ومازال يستخدم الى اليوم”.

ويبين أن الموانئ تمكنت في زمن الشاوي من إقامة قواعد كبيرة للمعامل الإنتاجية، كإنشاء معامل الإسفلت وسباكة المعادن وصيانة العوامات البحرية، وورش تعبيد الطرق وتصنيع أبراج الفنارات البحرية الساحلية وصيانة وتصليح السيارات والمعدات التابعة للموانئ.

ويعتبر المرشد الملاحي الأقدم في الشركة العامة للموانئ الحمامي أن الموانئ كانت تحت إدارة الشاوي “المحور البريدي المركزي لدول الخليج العربي”، ويوضح أنها “كانت تستقبل بانتظام سفن البريد العالمية، كما انه قام بتحديث منظومات الإتصالات اللاسلكية والمراقبة الملاحية”.

إداري ناجح ومصلح إجتماعي
ويؤكد الحمامي أن “الشاوي كان يمتلك طائرة مروحية يتنقل بواسطتها من ميناء الى آخر لمتابعة العمل، كما كان يستخدمها في مراقبة الملاحة البحرية من الجو”، ويروي أنه كان شديد الحرص على “توفير حياة كريمة لموظفي الموانئ”، ويوضح أنه “أنشأ لأجلهم مناطق سكنية ذات بنية خدمية متكاملة منها أحياء الأبلة الأولى والثانية والكندي وحطين، كما أوجد لهم متنزهات عامة ومنتجعات سياحية منها جزيرة السندباد ومتنزهات الأندلس والبيت الصيني والشاطئ”.

ويشير الحمامي الى أن “الشاوي هو من أمر ببناء مدينة الألعاب في منطقة المعقل، كما قام بانشاء جمعيات تعاونية ومدارس ومكتبات عامة ونواد ترفيهية ومساجد وصالات للسينما وملاعب رياضية”، ويبين أن “منطقة المعقل التي يقع فيها مقر الشركة كانت تضم في عهد الشاوي أربعة مسابح أولمبية، فيما تخلو البصرة حالياً من مسبح أولمبي واحد”.

ويذكر الخبير الملاحي أن الشاوي لم يغفل حتى عن أدق التفاصيل المتعلقة بحياة عمال الموانئ “لانه أراد بناء مجتمع عمالي متحضر، ويلفت إلى أنه كان يمنح العمال دراجات هوائية لتسهيل انتقالهم من الى مواقع العمل، ويتابع بالقول “وعندما فرض على عمال الأرصفة إرتداء الزي الموحد أمر بتجهيزهم سنوياً بثياب شتوية وصيفية أجنبية، ومعها أحذية للسلامة المهنية بريطانية الصنع”.

ويشدد الحمامي على أن الشاوي “كان مصلحاً اجتماعياً رائداً”، ويؤكد انه “ساهم بخلق جيل من المثقفين والمتعلمين من أبناء الفقراء بلا أدنى تمميز طائفي وعرقي ومناطقي”، ويشير إلى أنه “أرسل الكثير من أبناء العمال الفقراء الى بريطانيا لدراسة الطب والهندسة والعلوم البحرية في أرقى جامعاتها ومعاهدها على نفقة الشركة”.

ويلفت إلى أن “من أبرز مواقف الشاوي الإصلاحية انه لما تلقى شكاوى تفيد بتسجيل حالات سرقة متكررة لعلب حليب كان يضعها الباعة صباح كل يوم على أعتاب بيوت بعض كبار موظفي الشركة في إحدى المناطق، أمر الشاوي بنصب كمين لاعتقال السارق ولما قبض عليه، تم إحضاره الى مكتبه بطلب منه، وعندما انهار اللص باكياً وأخبره بانه كان يسرق الحليب مضطراً لإطعام أطفاله الجائعين فأمر فوراً بتوظيفه كحارس ليلي في نفس المنطقة التي كان يمارس السرقة فيها، وتضمن الأمر الإداري صرف راتب له بأثر رجعي اعتباراً من أول سرقة نفذها في المنطقة”.

ويعتبر الحمامي أن “الشاوي انتشل الرجل من مستنقع الجريمة، وجعل منه مواطناً صالحاً بطريقة ذكية مجردة من العنف”، وأكد أن “المنطقة التي تولى حراستها لم تسجل حالات سرقة خلال فترة عمله فيها”.

البعثيون أطاحوا بالشاوي وتركوه “خالي الوفاض”
وباعتبار الشاوي كان جزءا من الحكومة التي يقودها قاسم فإن مجيء البعث إلى السلطة على اثر انقلاب 8 شباط 1963 أدى إقالته من منصبه فغادر الموانئ “خالي الوفاض” كما يروي الخبير الملاحي كاظم الحمامي.

ويلفت الأخير إلى أن الشاوي حينها “لم يكن يمتلك رصيداً في مصرف، ولا بيتاً أو قطعة أرض”، ويروي أنه شوهد آخر مرة في العام 1984 (قبل وفاته)، وهو يراجع مستشفى اليرموك في بغداد لعلاج أسنانه، وكان جالساً على كرسي متحرك تدفعه فتاة، ولما استفسر منه مدير المستشفى الدكتور جعفر المظفر عن حالته الصحية واسمه، أخبره بأنه المواطن مزهر اسماعيل الشاوي، فأندهش المدير وأبلغه على الفور بأنه أحد أبناء عمال الموانئ البصريين الذين ابتعثوا الى بريطانيا بأمر منه لدراسة الطب على نفقة الشركة عندما كان مديرها.

ويذكر الأديب والإعلامي العراقي احسان وفيق السامرائي في الصفحة رقم 600 من كتابه الذي صدر بداية العام الحالي تحت عنوان (عبير الموانئ والتوابل البعيدة)، إن “مزهر الشاوي شاعر ومثقف ولواء ركن، عمل مديراً للموانئ العراقية، وقد أثبت خلال إدارته لها كفاءة عالية في تطوير الموانئ، وفي المجالات الإدارية والإجتماعية فافتتح جزيرة السندباد وحديقة الأندلس وحول منطقة المعقل الى فردوس صغير”.

ولا ينسى السامرائي في كتابه أن يشير إلى اهتمام الشاوي بالرياضيين، ويروي أنه “فرغهم من العمل الإداري حتى وصل بمنتحب الموانئ الى مستوى العالمية”.

الشاوي قائداً عسكرياً من الجيل الأول يعود إلى البصرة قريبا
وعلى الرغم من أن الشاوي كانت إنجازاته اقتصادية – أجتماعية فإن مقربين منه يؤكدون أنه كان قائدا عسكريا من الجيل الأول. ويقول شاكر الشاوي وهو ابن عم مزهر في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن الأخير ولد عام 1905 في قضاء الحويجة (55 كم جنوب غرب كركوك)، وهو من قبيلة العبيد العربية وكان جده زعيمها العام.

ويوضف أنه “تخرج برتبة ملازم ثان من الكلية الحربية في بريطانيا في العام 1929، وأكمل في العام 1937 دراسته العليا في كلية الأركان البريطانية”.

ويبين شاكر أن ابن عمه “شارك كضابط مشاة في الحرب ضد اسرائيل في العام 1948، كما عين عميداً للكلية العسكرية، وفي العام 1957 حصل على رتبة (لواء)، وعلى أثر ترقيته أصبح معاوناً لرئيس أركان الجيش”، ويوضح أنه كان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذي أطاح بقيادة العميد عبد الكريم قاسم بالنظام الملكي في 14 يوليو 1958”.

وبعد أيام قليلة من المقرر أن تزيح شركة (بصرة ماس) المحلية للمقاولات الستار عن تمثال لمزهر الشاوي نصب قرب مقر الشركة العامة للموانئ في منطقة المعقل، (نحو 5 كم شمال مركز المدينة)، وبذلك يكون أول تمثال شخصي بالحجم الاعتيادي ينصب في البصرة منذ العام 2003.

ويقول مدير الشركة الأهلية علي خريبط في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “التمثال مقدم كهدية الى الشركة العامة للموانئ، وتم انشاؤه بكلفة 75 مليون دينار تخليداً لذكرى مزهر الشاوي كرجل وطني وتكريماً لدوره في تطوير الموانئ خلال فترة قصيرة نسبياً”.

ويبين مدير الشركة أن “التمثال الذي نفذه الفنان علي عاشور سيزاح عنه الستار بعد أيام قليلة خلال حفل من المؤمل أن يحضره مسؤولون في الحكومة المحلية”، ويضيف أن شركته التي تنفذ مشاريع في الموانئ بالتعاقد مع إدارتها “تأمل أن يشجع وجود التمثال أصحاب القرار والمسؤولين المحليين في البصرة على الاقتداء بالشاوي كنموذج للإداري النزيه والمخلص في عمله والمتواضع والصادق في تعامله مع الآخرين”.

ولم تشهد محافظة البصرة إقامة تماثيل شخصية في أماكن عامة منذ العام 2003، باستثناء تمثال نصفي للقيادي والعضو المؤسس لحزب الدعوة الاسلامي الشيخ عارف عبد الحسين البصري (1937-1974)، وقد أزيح الستار عنه في العام الماضي 2011، وهو يقع في منطقة العشار، وهي نفس المنطقة التي يوجد فيها تمثال عالم اللغة الشهير ومبتكر علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، فيما يوجد تمثال مؤسس مدينة البصرة القائد العربي عتبة بن غزوان في منطقة الجزائر، وكان شارع كورنيش العشار المطل على شط العرب يضم عشرات التمثايل لمقاتلين سقطوا خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لكنها اقتلعت في العام 2003 ونقلت الى جهة مجهولة، بينما ظل تمثال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926-1964) شاخصاً عند مدخل نفس الشارع.

ويعتبر مدير قسم الإعلام والعلاقات العامة في الشركة العامة للموانئ أنمار عبد المنعم الصافي أن التمثال هو “أقل ما يمكن تقديمه الى مزهر الشاوي”، إذ يعتبر أن الأخير “لم يطور الموانئ فحسب وانما ساهم في بناء مدينة البصرة الحديثة”.

ويؤكد الصافي في حديث لـ”السومرية نيوز”، أن “وجود التمثال قرب مقر الشركة سيكون محفزاً دائمياً لمدرائها في المستقبل على التحلي بالنزاهة والجدية والإخلاص في العمل، علاوة على التعامل بانسانية مع الموظفين”.

مواطنون: نريد مسؤولين بنزاهة وكفاءة الشاوي
ومن وجهة نظر المواطن سعيد صالح عبود (54 سنة) فان “البصرة فيها الكثير من الشخصيات الإدارية النزيهة والكفوءة”، إلا أنه يلفت إلى أن “المحاصصة الحزبية لم تسمح لهم بتبوء مناصب إدارية تمكنهم من خدمة الناس”.

ويقول في حديث لـ”السومرية نيوز” إن “البصرة بحاجة في المرحلة الحالية أكثر من أي وقت مضى الى مسؤولين مثل مزهر الشاوي”.

اما المواطن تحسين عبد الحي (67 سنة) فإنه يعتقد أن “قلة الشعور بالمسؤولية عند الكثير المسؤولين هو الذي يدفع الناس الى تذكر مواقف الشاوي وعبد الكريم قاسم وغيرهما من القادة والزعماء”، ويرى أن “الشاوي لو كان في المرحلة الحالية مديراً للشركة العامة للموانئ لما تأخر بتنفيذ مشروع بناء ميناء الفاو الكبير”.

وكان محافظ البصرة الحالي خلف عبد الصمد أحد السياسيين القلائل الذين جاهروا برغبتهم بتقفي أثر مزهر الشاوي على المستوى الإداري، إذ قال في مؤتمر صحافي عقده في مجلس المحافظة بعد دقائق من إنتخابه محافظاً في (9 نيسان 2011)، إن “الأولوية ستكون للخدمات، وأتعهد بأن أسعى بجدية لتوفيرها، كما أتعهد بأن أغادر منصبي من دون أن أغير محل سكني، وأن لا يزداد رصيدي فلساً واحداً”، وأضاف “سأكون محافظاً للفقراء مثلما كان الرجل العظيم مزهر الشاوي مهتماً بالفقراء”.

يذكر أن الشركة العامة للموانئ هي من أقدم المؤسسات الحكومية في العراق، وتأسست في العام 1919 باسم (سلطة الموانئ العراقية)، وتم إفتتاح مقرها الحالي بمنطقة المعقل في العام 1931 بحضور الملك فيصل الأول، وأعلن عنها كشركة عامة في العام 1997، ويعمل فيها حالياً أكثر من عشرة آلاف موظف من بينهم ضباط بحريون، وتضم هيكليتها الإدارية عشرة أقسام إدارية وفنية منها قسم المسافن والصناعات البحرية.

وتتولى الشركة تنظيم الملاحة البحرية في المياه العراقية وتشغيل وإدارة الموانئ التجارية التي تقع جميعها في محافظة البصرة، نحو 590 كم جنوب بغداد، وهي خمسة موانئ أقدمها ميناء المعقل القريب من مركز مدينة، والذي تم إنشاؤه من قبل القوات البريطانية في عام 1914، وكانت تستخدمه لأغراض عسكرية قبل أن تسلمه إلى السلطات العراقية عام 1937، وفي العام 1965 تم إنشاء ميناء أم قصر، وهو أكبر وأنشط ميناء تجاري في البلد، بينما شهد عام 1989 إنجاز مشروع بناء ميناء خور الزبير الذي يعد من موانئ الجيل الثاني لانه يحتوي على أرصفة صناعية ومخازن لخامات الحديد والفوسفات وسماد اليوريا، وفي العام 1976 تم إنشاء ميناء أبو فلوس على الضفة الغربية لشط العرب ضمن قضاء أبي الخصيب، ويتميز بصغر مساحته وعدم قدرته على استيعاب البواخر الكبيرة بسبب تردي أعماق قناة شط العرب وكثرة القطع البحرية الغارقة فيها.

شاهد أيضاً

كيف تدفعك المتاجر الكبيرة إلى شراء المنتجات الغير ضرورية؟

كم عدد المرات التي قمت فيها بعمليات شراء غير ضرورية عندما تكون في المتجر أو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *