الرئيسية > اخبار العراق > قتل النساء في العراق تحت غطاء “غسل العار” جريمة لايحاسب عليها القانون

قتل النساء في العراق تحت غطاء “غسل العار” جريمة لايحاسب عليها القانون

قتل النساء في العراق تحت غطاء “غسل العار” جريمة لايحاسب عليها القانون

 

463062

مشهدٌ مريعٌ ذاك الذي يبقي ملازماً للذاكرة، فتاة عشرينية ملقاة على الأرض ملطخة بالدماء وسط حشد من الناس وثرثرات المارة، اسئلة بدأت تلسع المشاهد كيف، لماذا، متى؟ نبحث عن الأجوبة عبثاً، الموت في بلادنا أصبح سهلاً ومتعدداً، هل ذووها على علم بموتها؟، بعد مضي أيام معدودة، نصعق بعد أن ملأ موت الفتاة الأرجاء، بأن أخاها هو من قام بقتلها بسبب وشاية من احدى نساء الجيران أنها على علاقة مع شاب، والخبر الأكثـر غرابة وإيلاماً أنها ماتت “عذراء” والشاب الذي كان برفقتها ذلك اليوم كان يهيئ نفسه معها لشراء لوازم الخطوبة لكن من دون علم إخيها فقام الأخير بقتلها انتقاما للشرف ودرأً للعار الذي سيلاقيه؟!
لا يستهف هذا التحقيق تسليط الضوء على ظاهرة “غسل العار” فهي أخذت حيزاً كبيراً وواسعاً في وسائل الإعلام كافة وخضعت لمناقشات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان، ومع ذلك لم يتم االوصل لحلول قانونية او عشائرية تمنع تنامي هذه الظاهرة الخطرة حتى لحظة كتابة هذا التحقيق، لكن ما نحن بصدده هو اتساع رقعتها لتصل الى قتل النساء من دون حتى التأكد من ممارستهن الخيانة أو الزنى، لمجرد الشك أو وشاية ما، فقط لا غير تزهق روح المرأة التي تعطي لحياتنا المعنى وترسم بأناملها الرقيقة أجمل دقائق الجمال، “المدى” أضاءت هذه الظاهرة المظلمة لتضعها بين ايدي قرائها الأعزاء.

أحكام مخففة
بحسب خبراء في القانون فإن المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، منحت الحق للرجل بتطبيق القانون بنفسه مع منحه عذرا مخففا للعقوبة وقد يعاقب لمدة سنة مع وقف التنفيذ، في حين لم يتطرق القانون الى الحالة المعاكسة، أي فيما لو فاجأت المرأة زوجها في فراش وقامت بقتله أو ايذائه، كون المشرع لم يمنحها عذرا مخففا، الامر الذي يعد مخالفا لأحكام العدالة وتمييزا بين الحقوق للطرفين ويتناقض مع احكام المادة 14 من الدستور التي تؤكد ان العراقيين متساوون امام القانون دون تمييز.
كما تنص المادة 409، على انه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنى أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال أو قتل احدهما أو اعتدى عليهما أو على احدهما اعتداءً أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة.
وكشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، عن وجود 11 حالة قتل نساء خلال الأشهر الماضية، غالبيتها نتيجة “غسل العار” وعدّت أن العقوبات التي يفرضها قانون العقوبات في تلك القضايا “مخففة” بعكس الحال في إقليم كردستان، كما أكدت وزارة الداخلية أن تلك “الجرائم عادية ولا تشكل ظاهرة”.
يقول المحامي امجد وحيد، “للأسف بدأت ملاحظة هذه الظاهرة المؤسفة حقاً من خلال الدعاوى التي تندرج” تحت مسمى غسل العار بينما هي بحقيقتها تصنف تحت قاعدة القتل العمد فيما لو تم إثبات عذرية الفتاة بعد تقرير الطب العدلي، لكن دائما ما نجابه بأن معظم هذه الجرائم تؤطر تحت يافطة غسل العار ويفلت الفاعل بجريمته بسبب المادة القانونية 409 التي تعطي حكماً مخففاً عادة لمرتكبيها”.
واضاف وحيد، ” في اقليم كردستان مثلا ستجد انتهاك المرأة ومصادرة حقوقها، ، هناك حالات قتل وحرق النساء بذريعة غسل العار بدعوى انتحارهن التي تتزايد بشكل غريب، “، مستدركا بالقول، “نظرا لتزايد هذه الحالات أضطر نواب الاقليم الى تشريع قانون جديد يهدف الى الحد من قتل النساء والتعرض لهن بذريعة غسل العار إثر تسجيل حالات قتل نساء وفتيات من قبل اقارب لهن

جرائم متكررة
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، سعد معن، في حديث إلى (المدى برس)، إن “الجرائم التي تحدث للنساء ليست ظاهرة، بل هي عادية تحدث بين مدة وأخرى”، مبيناً أن تلك “الجرائم تتكرر في بعض المناطق، بسبب الصراع العشائري، وغالبيتها نتيجة غسل العار”.
وذكر معن، أن تلك “الجرائم تسجل في سجلات الداخلية وتمر مرور الكرام، كغيرها من الحوادث الجنائية”، مستدركاً “لكن من الطبيعي أن يتم التحقيق فيها لمعرفة ملابساتها، حيث يتم كشف خيوطها والتوصل إلى الجاني في أحيان كثيرة”.
وحسب احصائية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية العراقية قبل مدة وجيزة، إن ” عدد النساء اللواتي قتلن بدافع الشرف وفق المادة [209] من قانون العقوبات العراقي، بلغ [49] امرأة من مختلف المحافظات، ولم تشمل الإحصائية الحالات المسجلة في إقليم كردستان “.
واحتلت العاصمة بغداد بحسب الإحصائية “المرتبة الأولى بحالات القتل التي تسمى بالقتل “غسلاً للعار”، عندما يعلم ذوو الفتاة أن لها علاقة غرامية مع شاب ما حتى لو كان من أقاربها، وفقدت عذريتها معه، أو لم تقفدها يكون مصيرها القتل حتماً، ويهدر دم الشاب “الحبيب” الذي غالباً ما يهرب خوفاً من القتل”.

ماذا ينفع الندم؟
الدكتورة نضال الشمري اخصائية توليد ونسائية في منطقة بغداد الجديدة قالت إن “أغلب النساء يراجعنها لغرض معاينة حالات الحمل لديهن أو معالجة امراض شائعة، وعادة ما يأتين بصحبة ازواجهن او ذويهن، لكن ثمة توضيح لا بد منه، فهناك حالات حصلت نتيجة عدم وعي الزوج، فنسبة كبيرة من الفتيات المتزوجات حديثا يقتلن “غسلا للعار” او تطلّق في احسن الاحتمالات دون ان يرتكبن أي عمل مشين، والسبب ان الضحيات في المواقعة الاولى لم يخرج منهن الدم، وبسبب قلة الوعي ربط الناس شرف الفتاة بهذا الامر، والحقيقة المغيبة ان هذا الدم ليس بالضرورة علامة لعذرية الفتاة فغشاء البكارة يختلف من فتاة لأخرى، وهناك نوعية تسمى “الغشاء المطاطي” الذي يصعب فضه وبالتالي لايخرج الدم من المواقعة الاولى، وكذلك هناك اغشية لا تحوي اوعية دموية كثيرة فيكون الدم قليلاً جدا”.

رأي رجال الدين
يقول رجل الدين الشيخ عبد الجبار طه، ” لا يجوز ان تقوم الاسرة او القبيلة بالحد دون الرجوع لولي الامر فهذا ينافياللشرع. وإن فرضنا جدلا إن المعصية حصلت فعلا بالمواقعة غير الشرعية هنا حدد الشارع الاسلامي بضرورة وجوب اربعة شهود، واذا تحقق ذلك، ووفق الدين الإسلامي الحنيف فإن عقوبة الزنى على المسلم غير المحصن، الجلد 100 جلدة مع التغريب سنة، وكذلك المسلمة، في القرآن “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، والمسلم المحصن اي المتزوج، القتل بالرجم بالحجارة حتى الموت، وكذلك المسلمة المحصنة اي المتزوجة عقوبتها الرجم بالحجارة حتى الموت، بينما عدد كبير من شيوخ وزعماء القبائل اجمع على ان لا أحد يُظلم في هذه القضية، كوننا نحتكم الى الشرع ونطبق ما يمليه علينا الشارع المقدس، حفظا لماء الوجه وللتخلص من براثن الفسق والفجور، فعند حصول هذا الامر، نجتمع بذوي المسبب ونحاول ايجاد مخرج، وإن لم نفلح بذلك، نكون عندها مضطرين الى طرد العائلة من القبيلة بل ومن بيتهم كذلك لأنهم محسوبون علينا وسمعتهم من سمعة القبيلة، وعادة ما يحكم على الفتاة بالموت والزام الرجل بدية التعدي على حرم العشيرة واحيان كثيرة يحكم على الطرفين بالموت نتيجة فعلهما الخاطئ”.
ويؤكد الشيخ جمعة الساعدي، أن القتل على الظن فقط، هو قتل غير جائز شرعا، لأن الشريعة الإسلامية رسمت طريقا محددا لمن يرتكب هذه الجريمة، وإن وقعت ولم يؤت بالشهود او اختلف الشهود فيما بينهم هنا تنتقص الجريمة ويكون باطلا ويستدرك قائلا، ” ولا يقدم الإخوة أو الآباء أو الأزواج على الانتقام من المتهمة لما يقال عنها، وغاية الأمر ينبغى عليهم الستر، وان رأوا انه لم يأت بالنتيجة المرجوة فالقضاء هو من يتولى الأمر بالتأكد من الجريمة والتحقق منها ثم إصدار الأحكام بعد ذلك”.
ونوّه العميد المتقاعد حميد القريشي ، إلى ان الظاهرة آخذة بالاتساع في معظم مجتمعاتنا العربية وليس الأمر مختصرا على العراقيين فحسب، فغالبا ما تكون المرأة الضحية رغم الانفتاح المعلوماتي الهائل الان، الذي للأسف الشديد لم يلق استحسان واهتمام افراد من القبائل ما زالت تهيمن عليهم الصبغة العشائرية والقبلية التي عادة ما تصادر دور المرأة وعدم اعطائها حقها في الحياة، وتابع القريشي، ” لست هنا بصدد الطعن بقبائلنا المحترمة فأنا ابن عشيرة عريقة واعتز بها، ولا انوي التقليل من شأنهم، ولست ضد معاقبة الجناة ولكن مع وجود شهود ومسبب وجريمة واقعة فعلا، لا ان اقيم الحد على الظن والشبهة او لمجرد الوشاية، وذلك كله لإرضاء المجتمع وذوات بعض فتيان العشيرة الذين عادة ما يكونوا مندفعين، ولا يقدروا عواقب اعمالهم الا بعد فوات الاوان حيث لا ينفع الندم”.
ولم يذهب صالح مهدي كاسب، بعيدا عما ذهب اليه حميد القريشي، قائلا، “كم من فتاة ذهبت ضحية دون سبب، وكم من بيت اصطبغ بصبغة الفجور وهم في الحقيقة طاهرون ابرياء، وكل ذلك بسبب وشاية ما أو مجرد شكوك لا ترقى لمستوى الجزم”، أذكر والكلام لمهدي، أن يوما ما كانت هناك امرأة ثلاثينية لم تكن متزوجة تعيش مع اهلها في العاصمة بغداد، كانت دائمة العراك مع زوجة اخيها الأكبر وكانتا تتشاجران على كل صغيرة وكبيرة، ذات يوم وقع انتفاخ مريب في بطن هذه الفتاة الانسة، هنا استغلت زوجة الاخ الكبير، هذا الانتفاخ وابلغت زوجها ان اخته حامل، فجن جنون الأخ وانتفض الأهل وكان والد الفتاة قد أصيب بمرض كاد يفقده حياته، ايام مرت، حوصرت الفتاة وضربت ضرباً مبرحاً وهي تقسم لهم ان لا شيء حدث وانها لم تفعل أمرا خاطئا يغضب الله عز وجل ويجلب العار لأهلها، هنا افصح أحد الحكماء بأمر يبيّن الحقيقة بان تعرض الفتاة الى طبيب مختص للوصول الى الخبر اليقين، فعلا تم ذلك واخذت الفتاة الى مستشفى مدينة الطب، وبعد المعاينة تبين ان الانتفاخ ناجم عن ورم بسيط في بطن الفتاة، ليس إلا، صُدم الجميع وحمدوا الله انهم لم يتعجلوا الحكم ويزهقوا روح ابنتهم البريئة، بينما زوجة الاخ الواشية أخذت جزاءها بان طلقت في وقتها وساعتها، لتكون عبرة لغيرها وعدم رمي الناس بالباطل والبهتان.
ختاماً.. فان اجتثاث العصبية المقيتة وتجذير وغرس قيم المحبة والتعامل وفق مبدأ الثقة بدلاً من الاحتكام الى لغة العصبية اصبح ضرورة ملحّة وسط هذا الإهدار المؤسف لضحايا بريئات براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وتغليب لغة الحوار بدلا من السلاح الذي لا ينفع معه ندم، وهذا نداء الى المشرعين في البلاد لتشديد العقوبات بما يتعلق بجرائم الشرف، فالمرأة العراقية تحديداً تستحق كل الثناء والبذل، وفاءً منا لصبرها ومقاومتها النوائب والأزمات وهي الرفيقة والام والزوجة، انها وديعة مقدسة، دعونا نصون هذه الوديعة.

شاهد أيضاً

قتيلان و37 جريح حصيلة تفجيرات طهران وداعش يتبنى العملية

أعلن مستشار وزير الصحة الايراني عباس زارع نجاد، الاربعاء، عن مقتل شخصين واصابة 37 اخرين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *