الرئيسية > اخبار مختارة > حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الرابع

حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الرابع

الربيع العربي في تونس

التقرير التالي مترجم بتصرف عن تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست في عددها العشرين بتاريخ 14 مايو 2016.

من هنا لقراءة الجزء الثالث

 

التدخل الأجنبي… من بيروت إلى بغداد

يبذل اللبنانيون قصار جهدهم لنسيان حربهم الأهلية، لكنهم قلقين من الحرب في سوريا المجاورة. خط الجبهة القديم في وسط بيروت يجري البناء عليه، وحتى المباني الحجرية من العهد العثماني تترك لتتعفن ليحل مكانها شقق فاخرة للزوار الأغنياء من الخليج.

نسى العالم الخارجي تقريباً الحرب الأهلية اللبنانية،  رغم أنها تحمل العديد من الإنذارات المسبقة حول معاناة العالم العربي اليوم. صراعها كان ينظر أليه كاستثناء. لكن الآن أصبح معظم الهلال الخصيب نسخة أكبر وأكثر شرا من لبنان. أولئك الذين اعتقدوا أن الدكتاتور السوري، بشار الأسد، سيتم الإطاحة به سريعاً لم يأخذوا في الحسبان الأقليات – من بينهم المسيحين والأكراد وطائفته العلوية – التي قد يستنجد بها.

إذا كان العرب يتذكرون التاريخ جيداً، فالأميركيين عكسهم. لبنان كان بمثابة تحذير من مخاطر التدخل العسكري في السعي لتحقيق المهمة الضخمة في منطقة الشرق الأوسط. عندما غزا جورج دبليو بوش العراق بتهور – ظن منه إزاحة صدام حسين سيجعل العالم أكثر أمان من الإرهابيين وسينشر الديمقراطية لعلاج علل العالم العربي- لم يأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من التدخل الأمريكي الخطأ في لبنان قبل عقدين.

آنذاك أرسلت أمريكا قواتها إلى بيروت على رأس قوة متعددة الجنسيات للإشراف على إجلاء المقاتلين الفلسطينيين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. بعد أن استفزتها هجمات الفلسطينيين، سعت إسرائيل إلى تغيير شكل المنطقة باستخدام تفوقها العسكري: تطرد منظمة التحرير الفلسطينية والسوريين من لبنان، وتثبت رئيس لبناني جديد، بشير الجميل، ويتم تحت حكمه توقيع معاهدة سلام مع الدولة اليهودية، ودفع المتطرفين الفلسطينيين إلى تبني فكرة أن الأردن – وليس الأراضي المحتلة- هي فلسطين. غادرت القوات الأمريكية والأوربية لبنان بعد أن سهلت خروج منظمة التحرير في أغسطس 1982. لكنهم عادوا بعد أن لقي بشير الجميل مصرعه بقنبلة (يعتقد أن سوريا زرعتها)، وانتقام له، قامت المليشيات من طائفته المارونية المسيحية بذبح المئات، إن لم يكن الآلاف، من المدنيين الفلسطينيين أمام أنظار القوات الإسرائيلية.

جهود أمريكا في إبرام تسوية لم تدم طويلاً بين إسرائيل ولبنان في مايو 1983، ودعمها لقوات الحكومية اللبنانية وميلشياتها ضد سوريا وميلشياتها، جعلها تغرق أكثر في الحرب. ظهرت هناك مكان الجماعات الفلسطينية قوة أكثر تدين وشدة، حزب الله، وهي مليشيا شيعية مدعومة من إيران. أخذ حزب الله الريادة في استخدام الانتحاريين في العالم العربي. السفارة الأمريكية على الكورنيش تم تفجيرها في 19 أبريل 1983، ودمرت قاعدة للبحرية الأمريكية في شهر أكتوبر من ذلك العام. الفرنسيين والإسرائيليين هوجموا أيضا، وسرعان ما انسحب القوات الدولية. في عام 2000، أجبر حزب الله إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان وأكتسب شهرة في العالم العربي.

لم يبقى الكثير في بيروت من ذكريات التدخل الأمريكي، فأنقاض مبنى السفارة الأمريكية تم استبداله بمجموعة شقق فاخرة. القاعدة البحرية القديمة أصبحت موقف للسيارات. الآن يعيش ويعمل الدبلوماسيين الأمريكيين في مجمع محصن على سفوح جبل لبنان، مع جدران مضادة لرصاص القناصين لحمايتهم أثناء تنقلهم من بناية إلى أخرى. من بين الذين نجوا من انفجار السفارة عام 1983،  كان رئيس القسم السياسي، راين كروكر، الذي خدم لاحقاً كسفير أمريكا في العراق، وأصبح يعرف بـ”لورنس العرب الأمريكي” لدوره في زيادة عدد القوات الأمريكية التي ساعدت في إنقاذ مؤسسة العسكرية الفاشلة في سنوات 2007-2008. يقول كروكر: “خلال حياتي تعلمت شيئين، كل حذر عند الدخول في أي شيء وكن حذر عند الخروج منه”.

السفارة الأمريكية في بيروت بعد تفجيرها عام 1982.
السفارة الأمريكية في بيروت بعد تفجيرها عام 1982.

يعتقد كروكر أن التدخل الأمريكي في لبنان أنشئ سلسلة من الأحداث لم يمكن لأمريكا السيطرة عليها، كما فعل غزوها للعراق. والانسحاب الأمريكي المتعجل من لبنان كان أيضاً سابق لوقته، وأظهر أنه يمكن هزيمة دولة عظمى بالإرهاب والعملاء. “سوريا وإيران وحزب الله تعلموا الدرس وقاموا بإعادته في العراق”. سهلت سوريا الهجمات على القوات الأمريكية من قبل تنظيم القاعدة، بينما دعمت إيران مليشيا جيش المهدي الشيعية.

تحت حكم أوباما، والذي وعد قبل انتخابه بإنهاء الحرب في العراق، انسحبت أمريكا كلياً من البلاد في شهر ديسمبر من عام 2011. لكن هذا الانسحاب ينظر أليه الآن بكونه عمل طائش. أوباما أعلن في ذلك الوقت أن أمريكا تركت خلفها بلاد مستقرة. لكن ساسة العراق من السنة والشيعة والأكراد رجعوا إلى عاداتهم الطائفية الضيقة، والتي حسب ما يصفها كروكر “الحل الوسط -بالنسبة لهم- يعتبر تنازل، والتنازل يعتبر هزيمة، والهزيمة تعني الموت.”

تردد أوباما في الانجرار إلى حرب أخرى في سوريا أمر معقول. أصبح شعاره: “لا تقم بأفعال طائشة”. لكن سوريا  تظهر أيضاً مخاطر التقاعس الشديد. قاوم أوباما الضغط المسلط عليه بالقيام بعمل عسكري ضد الأسد حتى بعد أن عبر الأسد “الخط الأحمر” الذي وضعه أوباما باستخدامه الأسلحة الكيماوية.

فقط عندما سيطر جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية على شرق سوريا واجتاحوا شمال العراق شعر أوباما بأنه مضطر إلى إعادة إرسال القوات الأمريكية للعراق. لو كان لأوباما أولوية في الشرق الأوسط، فهي البحث عن اتفاق مع إيران لوقف برنامجها النووي، أو على الأقل تجميده لعقد أو أكثر. في بعض الأحيان كان أوباما يعلق أمله على أن الاتفاق سيقوي التيار المعتدل في طهران ويجعل إيران شريك أكثر لين. على المدى الأكثر واقعية، يريد أوباما تحقيق علاقة أكثر توازناً بين إيران والعرب، قائلاً أن عليهم “مشاركة” المنطقة. بالنسبة لحلفاء أمريكا التقليديين، الممالك العربية وإسرائيل، هذا يبدو كما لو أن أمريكا تتخلى عن الشرق الأوسط للنفوذ الإيراني. يقول بعض حلفائها أن تراخي أمريكا عن سوريا قد شجع أعدائها، واستعدادها للتخلي حسني مبارك في مصر قد هز أصدقائها.

أوباما الذي أنكه بوضوح التزام أميركا الطويل في المنطقة، من الدفاع عن إمدادات النفط في الخليج إلى محاولة التوسط في سلام يبدو مستحيلا بين اسرائيل والفلسطينيين. عندما سئل أوباما ما إذا كانت السعودية صديقة أمريكا، أجاب أن “الأمر معقد”. علاقته مع إسرائيل أيضاً، كانت بعيدة على الاستقامة.  من خلال محاولة الانسحاب من المنطقة، ترك أوباما مساحة ليشغلها أخرون. السعودية في صراع بالوكالة متزايد الحدة مع إيران. روسياً أيضاً دخلت المنطقة ناشرة طائراتها وقوات أخرى لدعم النظام السوري. عند هذه اللحظة، روسيا هي من تلعب دور المهيمن في الشرق الأوسط، حيث تسعى لوضع قواعد الحرب والسلام الذي يتبعه.

باراك أوباما

ويأمل أصدقاء أمريكا أن الرئيس التالي الذي سيتم انتخابه في شهر نوفمبر سيكون له دور أكثر فعالية. هيلاري كلينتون المتنافسة الديمقراطية تبدوا من دعاة التدخل العسكري، حيث سبق لها أن دعت إلى تسليح معارضي الأسد وفرض منطقة حظر طيران فوق سوريا. بينما دونالد ترامب، المشرح الديمقراطي، أنتقد بحدة الاتفاق الايراني وتحدث عن الحاجة لـ”شن حرب على الإسلام المتطرف”، لكنه أيضاً يقول أن على أمريكا الكف عن التدخل الخارجي والعمل بشكل أفضل مع روسيا.

في الواقع، قد تقلصت خيارات التدخل الأمريكي، فروسيا الآن موجودة على أرض وفي سماء سوريا. الرأي العام الأميركي لديه رغبة قليلة في تعريض حياة أعداد كبير من الجنود للخطر في دولة عربية أخرى. وأمريكا لا تحتاج النفط العربي بعد الآن، رغم أنها لا تزال معرضة لخطر أسعار الطاقة العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي. لذلك قد لا تكون سياسات الرئيس القادم مختلفة بشكل كبير عن سياسات أوباما، الذي يرسل المزيد من القوات الخاصة إلى سوريا. العرب الذين ينددون منذ فترة طويلة بالتدخل الأمريكي، قد يجدون غيابه أسوأ بكثير من وجوده.

 

المستقبل.. ما معنى الديمقراطية في العربي؟

“لم تغير الثورة أي شيء، أستبدلنا عائلة من اللصوص بعوائل من اللصوص. هذه البلاد تعتمد على السياحة، والآن ليس هناك سياح.” يقول أحد البائعين في شارع الحبيب بورقيبة في تونس، الذي شهد العديد من الاحتجاجات خلال ثورة عام 2011.

ظاهرياً، حققت تونس تحويل ممتاز نحو الديمقراطية. حافظت أحزابها السياسية على التعددية في اتخاذ القرار، وتنافسوا في جولتين من الانتخابات والتزموا بنتائجها. لكن الاقتصاد ضعف، والاحتجاجات تشتعل تدريجياً داخل المناطق الداخلية المحرومة في البلاد. إلى حد ما، لم يحالف الحظ تونس. فالبلاد تشعر باضطرابات جارتها ليبيا: العمال التونسيين هناك فقدوا أعمالهم، في حين دمرت معظم الصناعة السياحية بسبب الهجمات الإرهابية المتكررة.

في شهر مارس انصدمت البلاد من محاولة تنظيم الدولة الإسلامية الاستيلاء على بلدة بن قردان، بالقرب من الحدود الليبية. لكن الائتلاف الحكومي منقسم، ويكافح لتنفيذ اصلاحات اقتصادية. والحزب الحاكم، نداء تونس، أنقسم بعد عام من تسلمه السلطة. السبب الجزئي في ذلك العودة إلى العادة السيئة القديمة: محاولة الرئيس الباجي قائد السبسي تثبيت ابنه، حافظ، كوريثه السياسي.

مع ذلك، تعتبر تونس مثال ناجح مقارنة بالفوضى في البلدان الأخرى التي خلعت قادتها في عام 2011. رغم كل خيبة الأمل والفوضى التي تلت الانتفاضات العربية، من الصعب أن نتصور عودة المنطقة إلى حالة الجمود في العقود التي سبقت عام 2011. الاستبداد قد رجع، ولكن العديد من الدول ضعيفة جدا ومجزأة والوصول إلى المعلومات في كل مكان، لتبقى دون منازع لفترة طويلة.

الربيع العربي في تونس

هذا التقرير كان يجادل أن انهيار النظام العربي ما بعد الاستعمار الاوربي، في صميمه، هو أزمة شرعية. تأثير الاستعمار، الذي غالبا ما يحمله العرب مسؤولية معاناتهم، لا ينبغي أن يكون عائقاً، فالعالم مليء بالدول ذات التاريخ الأسود والحدود الغريبة. سيتوجب على الحكومات العربية استعادة ثقة مواطنيها. لكن أولاً، عليهم توفير مستوى معيشة أفضل من خلال التغلب على نظام الريعية. ودول الخليج سيتوجب عليها التوقف عن الاعتماد على النفط.  جميع الحكومات العربية عليها تقديم دعم مالي ومراقبة أقل للإنتاج، وحراسة أكثر أمان للسوق لمنع المقربين من السلطة من السيطرة على الاقتصاد. ثانيا، يتعين على الحكومات للحصول على شرعيتها من خلال الديمقراطية. الملكيات كان أدائها أفضل، لكنهم مع ذلك لا يجب عليهم ادعاء الحق في الحكم على أساس الميراث.

الديمقراطية في العالم العربي تواجه بالتحديد عقبتين. الأولى هي الخوف من وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة، لكنهم قمع هذه الأحزاب قد يكون أسوأ. الجزائر للأسف ألغت نتائج انتخابات العامة لعام 1992 التي فاز بها الإسلاميين، مطلقة العنان لتمرد مسلح طويل. يقع الفلسطينيون مع حكمهم شبه الذاتي في نسخة باهتة من الاستبداد العربي، فرفض حركة فتح القومية قبول فوز حماس في الانتخابات البرلمانية عام 2006 أدى إلى صراع داخلي، والقطيعة بين غزة والضفة الغربية. بينما الانقلاب العسكري ضد جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أدى إلى إنشاء دولة أكثر اختلال وقمعاً.

كانت تونس محظوظة بامتلاكها جيش أفضل (بقي في ثكناته) وإسلاميين أفضل (أكثر قدرة على العمل مع العلمانيين). “كل دولة تمتلك جيش، لكن في مصر الجيش هو من يمتلك الدولة،” يقول راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة في تونس. الغنوشي لا يحب أن يقال عنه اسلامي سياسي، بل يفضل “مسلم ديمقراطي” لأنه، كما يقول، هناك مسلمون ليسوا ديمقراطيين. وأكد على ضرورة التعاون مع الأحزاب الأخرى: في مصر دستور ما بعد الثورة مرر بالإكراه من قبل الإسلاميين، لكن في تونس مرر بدعم العلمانيين. “في دولة ديمقراطية طبيعية ومستقرة، يكفي الحكم بأصوات 51% من الناخبين. لكنه غير كافي في ظل تحول ديمقراطي حديث. تحتاج إلى الإجماع.”

وحجر عثرة ثاني أمام الديمقراطية هو تنوع الشعوب العربية. في الأوقات الجيدة التعددية الثقافية أمر رائع. ولكن في هذه الأيام كل الجماعات تتصرف مثل أقليات محاصرة. “في حكومة تمثيلية”، يجادل الفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت مل أنه في “المؤسسات الحرة أشبه إلى المستحيل في بلاد متعددة القوميات” لأنه، كما يقول، “نفس الحوادث ونفس الأفعال ونفس نظام الحكم، تؤثر عليهم بطرق مختلفة، وكل قومية تخشى على نفسها الأذية من القوميات الأخرى أكثر من الحكم المشترك، الدولة.” في العالم العربي تخشى كل جماعة أن يقوم خصومها بالسيطرة على الدولة ومواردها الاقتصادية، والأهم، أسلحتها.

من الناحية النظرية، الانفصال والفيدرالية واللامركزية قد تقدم بعض الطمأنينة إلى الأقليات. تحت اتفاقية سايكس-بيكو حديثة، قد ينقسم العراق إلى كردستان في الشمال وشيعستان في الجنوب وسنيستان في الغرب. سوريا قد تنقسم إلى علويستان على طول البحر الأبيض المتوسط، وسنيستان إلى الغرب، التي قد تندمج مع سنيستان العراق (كما فعلها داعش). في المملكة العربية السعودية الحجازين الأكثر ليبرالية على البحر الأحمر والشيعة في المنطقة الشرقية قد يكونوا سعداء بالتخلص من الوهابيين من وسط نجد.

مشكلة واحدة مع هذه المفاهيم هي أن معظم النفط سيكون في يد الشيعة. وثمة صعوبة أكبر في أن التجانس مستحيل في الأراضي التي فيها العرق والطائفة يمكن أن يتغير من قرية إلى أخرى. تغير الحدود قد يخلق مظالم بقدر ما يحلها،  ويمكن أن يؤدي إلى فظائع جديدة حيث يحاول كل طرف انتزاع ما في وسعه وتطهير أراضي الأقليات غير المرغوب فيها. تقسيم فلسطين، وتبادل السكان بين تركيا واليونان وحروب البلقان هي تحذيرات من مدى سهولة حدوث ذلك.

رغم كونها مزعجة، أثبتت حدود ما بعد الاستعمار قدرتها على التحمل ويرجع ذلك جزئيا إلى أن القليل تجرأوا على تغييرها، وقرن من الزمن كانت كافي لتتجذر الهويات الوطنية إلى حد ما. انتشار الانتفاضات العربية قد أثبتت الروابط القوية بين العرب في مختلف البلدان، ولكن الطلب في الشارع من أجل التغيير داخل حدود كل بلد، وليس إلغاء الدولة الحديثة. حتى في العهد العثماني، كانت أجزاء كبيرة من الإمبراطورية شبه مستقلة بدرجات متفاوتة. محاولات دمج الدول الحديثة فشلت – أبرزها الاتحاد بين مصر وسوريا في الدولة العربية المتحدة بين عامي 1958-1961. العالم العربي يحتوي على هويات قومية ولغوية ودينية متعددة.

خصوصاً في منطقة الهلال الخصيب، جزء من الحل يكمن في تسليم بعض السلطة من الحكومة المركزية إلى الأقاليم والمحافظات لضمان أن تلك الجماعات المعينة لا تشعر بالاضطهاد من الأغلبية أو حتى من الأقليات الأخرى. معظم العرب يرفضون الفيدرالية. يقول وليد جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان متحسراً: “هذا هو الحلم الصهيوني القديم بتمزيق الشرق الأوسط برمته إلى  أقاليم طائفية. أريد أن أكون جزءاً من عالم عربي أكبر.” حتى الآن لم تنجح محاولات جعل السلطة لا مركزية. السياسة الغريبة المبنية على الإجماع في لبنان وفق لاتفاق الطائف عام 1991 قد حافظت على السلام، لكنها أدت إلى الشلل. فالدولة عاجزة على انتخاب رئيس منذ سنتين أو حتى جمع النفايات في بعض المناطق.

ولم يعالج النموذج الفيدرالي جراح العراق. فإقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد يخوضان حرب بيروقراطية على عائدات النفط. وحتى بين الشيعة العراقيين كانت هناك احتجاجات مضطربة ضد نظام المحاصصة الفاسد الذي يتم بموجبه توزيع السلطة للحفاظ على التوازن العرقي والطائفي ويسعى كل طرف حزب لحلب الحكومة المركزية من خلال العقود والتعيينات. كثير من الشيعة، الذين كانوا يؤيدون الفيدرالية، يتبنون الآن المركزية. ولكن بعض العرب السنة، المستضعفين الآن ، يدعون مؤخراً إلى إنشاء منطقة فيدرالية سنية.

تستطيع الدول العربية الاستفادة من تكامل عابر للحدود لإنشاء أسواق مفتوحة وتحفيز النمو. تعتبر الجامعة العربية كجسم سياسي، فاشلة. ولكن كثير من العرب معجبون بالاتحاد الأوروبي، رغم أنه يفقد جاذبيته لعدد متزايد من الأوربيين، لأسباب ليس أقلها اللاجئين العرب. يقدم التاريخ الأوروبي بعض العزاء للعرب: قبل أن تتوحد القارة، عانت من حروب أكثر دموية مما يتحمله العرب الآن. وهناك درس آخر من أوروبا بدأ البعض بالاعتراف به: الديمقراطية هي أساس الوحدة في المستقبل.

ينبغي تشجيع التقدم الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي في تونس والمغرب. هذه دول صغيرة، لكن انتفاضات عام 2011 بينت أن البلدان الصغيرة يمكن أن تكون بمثابة نموذج للآخرين. بعد ذلك، يجب ممارسة الضغط على مصر للعودة إلى مسار الإصلاح. واحد من كل عربي هو مصري. إذا تحسنت أوضاع مصر، فستفيد المنطقة، أما انهيارها يشكل تهديدا للجميع، بما في ذلك أوربا.

سوف يكون من الصعب إحراز تقدم حقيقي قبل أن يتم إيقاف العديد من الحروب العربية. ويأمل المتفائلون أن الخراب السياسي يمكن إعادة بنائه، قطعة قطعة. تحاول حكومة الوحدة التي ترعاها الامم المتحدة ترسيخ نفسها في ليبيا. ربما أحدث وقف اطلاق النار في اليمن يستمر. ولعل محادثات السلام السورية سوف تصل إلى نتيجة. قد يكون هناك بعض الأمل في رؤية الشيعة العراقيين ينبذون ساستهم ونظام المحاصصة الطائفي. وفي سوريا، عندما يسمح وقف إطلاق النار بمتنفس للمواطنين، عليهم أن يخرجوا ينزلوا إلى الشوارع في المدن التي يسيطر عليها الثوار للمطالبة بحرية في تحد للكل من النظام والمليشيات الجهادية. ولكن الآن من السهل رؤية نشوب أزمة جديدة بدل من حل الأزمات الحالية. مثال على ذلك: الجزائر يمكن أن تنهار بعد وفاة رئيسها شبه المختفي، عبد العزيز بوتفليقة. لبنان والأردن قد تنتقل لهما عدوى الحرب. والحرب الباردة بين إيران والمملكة العربية السعودية قد تصبح ساخنة بحادث ما.

بحسب خبرتنا من الحرب الأهلية اللبنانية، فقد تطول الحرب في سوريا لعقد آخر. انتهت معاناة اللبنانيين عام 1990 بسبب تغير سياسي مفاجئ: سُمح لسوريا بالقضاء على آخر جيوب المقاومة المسيحية في لبنان مقابل انضمامها إلى الحرب لتحرير الكويت من صدام حسين. ولكن في سوريا لا يبدو أن هناك أي قوة خارجية – ولا حتى روسيا – راغبة أو قادرة على ترجيح كفة أحد الأطراف لضمان انتصاره. القوى الخارجية لن تكون قادرة على إصلاح العالم العربي، حتى لو أرادوا. لكن الهجمات في باريس وبروكسل واسطنبول تبين أن العالم لا يمكنه تجاهل الأزمة الوجودية للعرب.

 

انتهى

شاهد أيضاً

فيديو | جنود عراقيين يضحون بأنفسهم للقبض على إنتحاري 😲✌️

إنتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يظهر جنود في الجيش العراقي ولحظة تمكنهم من …