الرئيسية > اخبار مختارة > حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الثالث

حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الثالث

1

التقرير التالي مترجم بتصرف عن تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست في عددها العشرين بتاريخ 14 مايو 2016.

من هنا لقراءة الجزء الأول

من هنا لقراءة الجزء الثاني

 

الدين… الصراع الجديد

اختفت منذ وقت طويل الصور والتماثيل المنمقة لصدام حسين. الصور الآن الأكثر أنتشار في بغداد هي لعلي وأبنه الحسين، الذين يعدهما الشيعة القادة الشرعيين للإسلام بعد وفاة النبي محمد ولهما مكانة عظيمة عندهم. عندما أصبحت الخلافة الإسلامية السنية بيد العباسيين، أصبحت بغداد مدينة شيعية واضحة.

في زمن حكم صدام كان يتم اعتقال الشيعة لمحاولتهم الذهاب لزيارة ضريح الحسين في كربلاء، لكن الآن تغلق الطرق الرئيسية أمام السيارات في أوقات عاشوراء، لأن الكثير من الناس يذهبون مشي على الأقدام. نعوش المقاتلين الشيعة الذي قتلوا في معارك ضد الجاهدين السنة تحمل على سيارات وتدفن في النجف. أهل السنة في بغداد – الذين بقوا بعد سنوات من العنف الطائفي الذي دفع العديد منهم للهجرة إلى الخارج – يجدون مثل هذا الشعائر الشيعية كريهة وحتى مخيفة على نحو متعمد.

أنقسم الإسلام إلى الطائفتين خلال ” الفتنة الكبرى” على خلافة النبي محمد. يقول السنة أن القيادة مررت إلى الخلفاء الراشدين والذي كانوا أصحاب النبي: أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي. بعد ذلك انتقلت الخلافة إلى دمشق تحت حكم الأمويين ثم إلى بغداد تحت العباسيين. يقول الشيعة أن الخلافة أغتصبت، حيث كان يجب أن تنتقل إلى آل محمد، أولاً علي ثم بعده الحسين. لكن علي قتل في الكوفة ودفن بالقرب في النجف، بينما قتل الحسين في كربلاء ودفن فيها، ومن هنا تأتي أهمية المدينتين للشيعة. مررت القيادة الشيعية لسلسلة من الأئمة وتفرقت الطائفة إلى عدة طوائف بمرور الزمن مثل الزيدية “الخمس” و الاسماعيلية “السبعية” والأغلبية  “الاثني عشر”. أصبح التشيع الاثني عشر هو دين الدولة  الفارسية الصفوية، ولهذا السبب ينظر السنة المتشددين إلى الشيعة على أنهم أعداء أجنبيين، وحتى غير مسلمين.

يؤدي الشيعة مراسيم عاطفية لأحياء ذكرى استشهاد علي والحسين، بما في ذلك جلد المرء لنفسه. وكثير ما يُتهم الشيعة بخوضهم في “المظلومية”، رغم أن السُنة هذه الأيام هم من يشعرون ويتصرفون كالمظلومين. يشعر السنة بالحرمان في العالم العربي، رغم كونهم يشكلون أغلبية المسلمين العرب – مهمشين من قبل الأغلبية الشيعية في العراق، وتحت هجوم قاتل من قبل نظام بشار الأسد في سوريا (يهيمن عليه العلويون، وهو فرع من المذهب الشيعي)، ومهددين من قبل حزب الله في لبنان، ومتفرقين ومحتلين من قبل إسرائيل في فلسطين. تم طردهم من السلطة في اليمن على يد الحوثيين، المنحدرين من الزيدية.

تتواجه الآن الألوية السنية والشيعية في سوريا. الذين يقاتلون مع الأسد من بينهم متطوعين شيعة من العراق وأفغانستان وباكستان يقودهم حزب الله وضباط كبار من الحرس الثوري الايراني. ضد مجموعتين رئيسيتين: جهاديين “الدولة الإسلامية” المتكونين من متطوعين من عدة دول، والمجموعة الأخرى، تحالف الثوار السوريين السنة المدعومين بدرجات متفاوتة من قبل الدول السنية المجاورة، أبرزهم السعودية وتركيا والأردن. التفجيرات الانتحارية والصواريخ ضعيفة التوجيه تنباها أولاً حزب الله عام 1983، ثم نسخها الإسلاميين الفلسطينيين وتعد الآن التكتيك المفضل لدى الجهاديين السنة.

يبدوا أن الإسلام أكثر من أي وقت مضى هو القضية التي يدعي الجميع القتال من أجلها. لكن أي نسخة من الإسلام؟ البروفيسور يوجين روغان من جامعة أكسفورد يقول إن مصير العالم العربي سيحدده النزاع بين 3 نسخ من الإسلام: الاخوان المسلمون والسلفية الجهادية (كلاهما سني) وحكم ولاية الفقيه الشيعية.

يحتل الإسلام مكانة سياسية قوية. لم يكن محمد فقط رسول ديني بل حاكم ومحارب. أنتشر الإسلام بالكلام والسيف. الإسلام بالنسبة لكثير من المسلمين ليس فقط دين شخصي ولكن أيضاً مخطط لتنظيم المجتمع بشكل مثالي، ويعتبرون المفهوم الغربي بفصل الدين عن السياسة هراءً. يعد المسلمين دينهم بأنه الوحي الإلهي الأخير والقرآن كلام الله. تميل بعض الجماعات إلى الترجمة الحرفية للآيات ويسعى المسلمين الإصلاحيين للتقليل من أهمية ” آيات السيف” – مثال: ” فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ” – لكن الأيديولوجيات الجهادية ترفض هكذا شيء وتعده إسلام مزيف.

في السنوات الأولى بعد الاستقلال، جندت الأنظمة الملكية العربية دعم الإخوان المسلمين ضد القوميين واليساريين. ازدهرت الإسلامية بعد حرب عام 1967 عندما أدى انتصار إسرائيل إلى فقدان القوميين لمصداقيتهم. عام 1979 كان حافلاً: وقعت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل (اغتيل الرئيس أنور السادات بسببها على يد الإسلاميين) ووصل آية الله خميني إلى سدة السلطة في إيران، منشطاً بذلك المسلمين المتطرفين من كل الأنواع. قاد جهيمان العتيبي مسلحين متطرفين وسيطرة على الحرم المكي ودعا إلى سقوط آل سعود. أحتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان، الأمر الذي دفع السعوديين (والأميركيين) لدعم الجهاديين ضد الشيوعيين.

وصول القوات الأمريكية إلى السعودية عام 1990 من أجل إخراج القوات العراقية من الكويت وإبقاء صدام حسين تحت السيطرة، دفع بأسامة بن لادن إلى طريق الجهاد ضد الأمريكيين. أثار هجوم تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة عام 2001  قرار جورج بوش الأبن بالإطاحة بصدام حسين، مما أدى إلى قلب التوازن الطائفي في العراق والمنطقة.

كثيراً ما يقال أن الشيعة لا يصدقوا حصلوهم على السلطة والسنة لا يقبلوا بأنهم خسروها، الأمر الذي يجعل الصراع ربما أكثر شراسة. وتعمد الجهاديين العراقيين إثارة غضب الشيعة. أعترضت المخابرات الأمريكية رسالة بعثها الراحل أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق وجدُ تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقال فيها إن الجهاد ضد الأمريكيين سيكون سهل، لكن الخطر الحقيقي هم الشيعة، حيث وصفهم ب”الثعلب الماكر والخبيث”. استدرج الزرقاوي الشيعة إلى حرب طائفية “أيقظت” لاحقاً العالم السني.

كان الهاجس الآخر للزرقاوي إعلان “الدول الإسلامية”. كان هذا الهدف بعيد المنال لكل من تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين، لكن الزرقاوي وأتباعه أرادوا تسريع حدوثه.  بعد مصرع الزرقاوي، تغيرت أسم جماعته مرات عديدة، على الرغم من أن العديد من كبار أعضائه جاءوا من حزب البعث. بعد انشقاقهم عن القاعدة في أوائل عام 2014 وسيطرتهم على الموصل في شهر تموز من نفس السنة، أعلنت عن قيام الخلافة من قبل زعيم “الدولة الإسلامية”، أبو بكر البغدادي. بسبب طموحهُ للخلافة وتجاهله للتقاليد الإسلامية والتكتيكات الطائفية، تنصل منه حتى تنظيم القاعدة. رغم إضعافها، لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يتصدر الأخبار ويحصل على المجندين. وفقا لستيفان لاكروا في معهد العلوم السياسية في باريس، “القاعدة والدولة الإسلامية أشبه بتروتسكي وستالين: الأول يريد انتظار ثورة العالم، بينما الآخر يريد بناء اشتراكية في دولة واحدة.”

ظهور تنظيم الدولة الإسلامية شكل عودة مذهلة لجماعة أهلكت تقريباً من قبل الجيش الأمريكي في العراق عامي 2007-2008. أدت 3 عوامل إلى إحياء التنظيم من جديد: الانسحاب الأمريكي عام 2011 وتهميش السنة من قبل رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي الذي ملئ الجيش بالموالين له من الشيعة وفصلَ الصحوات السنية التي أنشأها الأمريكيين، والانهيار العنيف للدولة في سوريا الذي سمح للدولة الإسلامية بأنشاء قاعدة قوية هناك.

isis
السير نحو الخلافة

اندماج الحرب العراقية والحرب السورية في صراع واحد يصنع تحالفات غريبة. تدافع إيران عن حكومتي بغداد ودمشق، بينما تحالفت أمريكا مع العراق، ووقفت على الأقل نظرياً ضد النظام السوري. تقول روسيا أنها تقاتل الدولة الإسلامية لكنها في الغالب تنقذ بشار الأسد من الثوار الآخرين. الأكراد السوريين متحالفين مع أمريكا ضد الدولة الإسلامية، ومع روسيا ضد الثوار الآخرين.

الحكام السنة، خصوصاً آل سعود، يرون أنفسهم محاطين بالشيعة الخبثاء، حيث تحاول إيران إثارة الشيعة في البحرين والعراق وسوريا ولبنان واليمن. يقول مسؤول سعودي كبير، “تريد إيران إعادة تأسيس الإمبراطورية الفارسية.” دخلت السعودية في حرب اليمن بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وتوجهوهم للسيطرة على المدينة الساحلية عدن.  في سوريا تعمل السعودية بالتعاون مع تركيا على تحويل الثوار إلى قوة أكثر تماسكاً، تساعدها بذلك شحنات الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات. يقول أحد المطلعين في الرياض، يحاول آل سعود إبعاد الشباب السني عن داعش، وهذه أحد أسباب تصرفهم على أنهم المدافعين عن القضية السنية.

إيران من جانبها، تشعر بالامتنان لسوريا لكونها البلد العربي الوحيد الذي وقف بجانبها أثناء حربها الطويلة ضد العراق، وتراها جسر حيوي إلى حزب الله. لكنها عادةً ما تفضل الميليشيات العميلة القوية داخل الدول الضعيفة، كما هي الحال في لبنان. أصبحت في هذه الأيام مزاعم حزب الله بأنه الدرع الرئيسي ضد إسرائيل غير مقنعة، بدلاً من ذلك أصبح الحزب رأس الحربة للشيعة.

وحتى في المناطق التي لا توجد فيها انقسام طائفي سني- شيعي، لا تزال هناك صراعات. تركيا وقطر الدعامين الرئيسيين لجماعة الإخوان المسلمين، بينما مصر والإمارات وإلى حد أقل السعودية، تعارضهم. في ليبيا المنقسمة سياسياً، الحلفاء المؤيدين للإخوان المسلمين دعموا حكومة “الفجر” في طرابلس، بينما الآخرين دعموا تحالف “الكرامة” في بنغازي.

منذ انقلاب عام 2013 في مصر، يعيش الإخوان المسلمين على أعقابهم. المنفيون منهم في إسطنبول والدوحة يتحسرون على محمد مرسي، أول رئيس مصري من الإخوان وأقصرهم حكماً. العمل بدستور متنازع عليه واستعداء الليبراليين خلق مناخ للجيش للإطاحة به. بعض الإخوة الزملاء من بلدان أخرى حثوه على أن يكون أكثر ميلاً للمصالحة. يقول الدكتور هشام هيلر من المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث أمريكي، “لو لعب الإخوان أوراقهم بشكل مختلف، ربما كانوا ليتجنبوا الانقلاب تماماً،… كانوا متحمسين – على خطأ – بفكرة أنهم كانوا يعيشون في عصر جديد ولم تعد هناك حاجة لكبت جماحهم.”

تحرك في تونس حزب النهضة الإسلامية بتعقل أكثر،  فقد فاز بأكثرية الأصوات في الانتخابات التأسيسية التجميعية عام 2011 وحكم البلاد ضمن تحالف واسع. ومع نمو العنف الجهادي والإطاحة بمرسي، تخلى حزب النهضة عن عدة نقاط في الدستور، وسمح له أن يكون أكثر علمانية مما يريده الحزب. تم تسليم السلطة إلى حكومة تكنوقراط في يناير 2014، بعد أن تم الاتفاق على الدستور.

تجنب المغرب احتجاجات الشارع في عام 2011، وعين الملك حكومة  يقودها الاسلاميون في نوفمبر من ذلك العام. بدأت الدولة المغربية تسيطر بشكل مباشر تدريجي على المساجد، كجزء من جهود واسع لمكافحة التطرف بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية في الدار البيضاء عام 2003. افتتح في الرباط في عام 2015، مدرسة جديدة للأئمة تسعى إلى تعزيز النموذج المعتدل للإسلام على أساس المذهب المالكي، والقبول الحاسم لمكانة الملك ك”أمير المؤمنين”.

شاهد أيضاً

فيديو | جنود عراقيين يضحون بأنفسهم للقبض على إنتحاري 😲✌️

إنتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يظهر جنود في الجيش العراقي ولحظة تمكنهم من …