الرئيسية > اخبار مختارة > حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الأول

حصرياً: تقرير خاص عن العالم العربي – الجزء الأول

syrian-civil-war-getty

التقرير التالي مترجم بتصرف عن تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست في عددها العشرين بتاريخ 14 مايو 2016.

ويسلط الضوء على فشل دول المنطقة، حيث بعد مرور مئة عام على اتفاقية «سايكس-بيكو» التي مزقت الإمبراطورية العثمانية، يكتب الآن تاريخ عربي جديد بالدم.

تشق دير السريان الأرثوذكس “مار متي” مكانها على جبل قاحل فوق سهل نينوى، وتوفر هذه الدير نظرة قاتمة على الكارثة التي تحل بالعالم العربي. أنشئت الدير في القرن الرابع ميلادي بالقرب من مدينة الموصل، وتقف على حدود طبيعية. يبدأ هنا سهل بلاد ما بين النهرين بالتجعد إلى جبال زاغروس، والمزارعين العرب يصطدمون بالقبائل الكردية. أسفل هذه الجبال تمتد أرض إلى الجنوب حتى عُمان غنية بالنفط.

شهد مار متي مرور العديد من الجيوش: الساسانية والعربية والسلجوقية والمغول والصفوية والعثمانية. أدرجت بريطانيا الموصل إلى كيان جديد يسمى العراق، الذي حكموه بعدما نجح الأوربيين في تفكيك الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. رغم أن هذا الكيان أصبح ساحة لا تهدأ من العنف.

الآن تقف مار متي شاهداً على تفكك العراق ومعظم النظام العربي المعاصر. على قمة تلة مجاورة توجد راية بالأسود تقول “لا إله إلا الله”، معلنة بذلك الحدود بين عالمين جديدان خرجا من الحطام. إلى الغرب هناك الجماعة الجهادية المتعطشة للدماء التي تسمي نفسها “الدولة الإسلامية”- معرفة باسم داعش لمعظم العرب – تسيطر على الموصل والمساحات الشاسعة من وديان نهري دجلة والفرات حتى دير الزور والرقة في سوريا. إلى الشرق، يسيطر المقاتلون الأكراد، البيشمركة على أربيل والسليمانية وكركوك والجبال التي تقع ورائها. على أحد الجوانب، يدعي داعش بأنه أستعاد قانون الله النقي والخلافة الإسلامية القديمة. على الجانب الآخر، يعيش الكرد بالديمقراطية الحديثة (تقريباً) التي صنعها الأنسان وبالقومية، أملين في حصولهم على دولتهم المستقلة يوماً ما.

دير مار متي
دير مار متي

 

يسمع طنين طائرة بلا طيار أمريكية في الأعلى وأصوات الانفجارات القادمة من مسافة. الموصل، غنيمة الحرب، تقبع في الضباب. حطام الذخائر المرتجلة التي أطلقها الجهاديين، بما في ذلك اسطوانة غاز طهو ملحومة على متن الصاروخ، تدل على نقص الموارد لديهم. لكن رغبتهم بالموت في العمليات الانتحارية، يضل سلاح قوي. يقول الجنرال «بهرام ياسين»، أحد القادة المحليين للبيشمركة، ” لدينا قدرة محدودة، لكننا ندافع عن العالم برمته والعالم الديمقراطي”.

قبل قرن من الزمن في 16 مايو، أكملت القوى الأوربية اتفاقية «سايكس-بيكو» التي أدت إلى إنشاء الدول العربية الحديثة. ستترك القوى الاستعمارية ورائها نظام ديستوبي ميال إلى الحروب والانقلابات، متماسك بواسطة الشرطة السرية والتعذيب والبترودولار، وبدعم من رعاة الحرب الباردة والجنود الأجانب. عانى العرب من الفقر في منطقة غنية بالنفط ومن القمع باسم العظمة العربية. جلبت أرض الديانات التوحيدية الكبرى العديد من الذين يقتلون باسم الله.

هذا العالم المروع ينجرف الآن، وما يأتي بدل عنه أسوأ بكثير. «صدام حسين»، الذي كان يعد من الشخصيات البغيضة، أسقطه الأمريكيين بعد غزو العراق في 2003، مطلقين العنان لشياطين العراق الطائفية. وأطيح بزعماء آخرين من قبل شعوبهم في الربيع العربي عام 2011: «زين العابدين بن علي» في تونس سقط في يناير من تلك السنة ثم «حسني مبارك» في مصر في شهر فبراير. في ليبيا، أطيح ب«معمر القذافي» بمساعدة الطيران الغربي، ثم لقي مصرعه في أكتوبر. في اليمن، أصيب «علي عبد الله صالح» بجروح خطيرة في انفجار قنبلة، واستقال من منصبه في نوفمبر.

فقط تونس نجحت في التحول الديمقراطي، وإن كان هش. في مصر قاد الجيش ثورة مضادة. في سوريا، قصفت حكومة «بشار الأسد» شعبها بالقنابل والغاز في الحرب أهلية دموية اندمجت تدريجيا مع الحرب في العراق. انقسمت ليبيا إلى إدارتين متنافستين. في اليمن أطاح المتمردين الحوثيين بالحكومة، مما دفع السعودية لقيادة تحالف عسكري ضدهم.

في أماكن أصبحت الميليشيات غير الحكومية أقوى من الدولة، بينما تحولت قوات الدولة إلى مجموعات متهالكة. أصبحت الطائفية حادة. النزاع بين المملكة العربية السعودية، المنصب نفسها المدافع عن السنة، وبين إيران، القوة الشيعية الأكبر، يزيد الأمر سوءاً. تدخلت القوى الخارجية في الصراع، حيث تقود أمريكا حملة جوية ضد “الدولة الإسلامية” وترسل مزيد من القوات الخاصة، بينما تدعم القوات الروسية «الأسد». هذا صراع داخل حضارة أكثر مما هو صراع بين الحضارات. يوم بعد يوم يصبح العرب أمة من اللاجئين والمهاجرين والمنفيين.

هذا التقرير الخاص يفحص العوامل التي أدت إلى انهيار النظام العربي. أولاً، فشل النموذج السياسي الاستبدادي في المنطقة، على الرغم من أن الملكيات صمدت أفضل من الجمهوريات. ثانياً، النظام الاقتصادي الريعي، القائم على الموارد الطبيعية أصبح غير مستقر، ليس فقط في الدول المنتجة للنفط، ولكن في كل مكان. ثالثا، الإسلام، وخصوصاً الأغلبية السنية، في حالة اضطراب بخصوص مكان الإسلام في السياسة ودور الجهاد. رابعاً، التدخلات المزعزعة للاستقرار من قبل أمريكا تبعها تحت حكم الرئيس «باراك أوباما» انفصال مزعزع للاستقرار عن المنطقة. يعاني العالم العربي أزمة شرعية وينظر إلى الدول العربية على أنها وليدة الاستعمار والعديد من قادتها لعبة في يد الإمبرياليين. الأيديولوجيات الرئيسية في العالم العربي: العروبة والإسلام السياسي والآن السلفية الجهادية، سعت للتغلب على حدود سايكس-بيكو المكروهة. القادة القوميون مثل «جمال عبد الناصر»، الذي جاء إلى السلطة في انقلاب في عام 1952، وعد بالوحدة العربية وتحرير فلسطين ولكنه لم يحقق أي منهما.

قليل ومتأخر جداً

باستثناء الدول المَلكية النفطية التي بنت مدن متلألئة في الصحراء، معظم الاقتصادات العربية كانت غير قادرة على تقديم الازدهار الدائم. فشلت نماذجها التي تقودها الدولة في تسخير قوة العولمة، وأخفى ضعفها أموال النفط المتدفقة من المنطقة. الأنظمة التي سعت في وقت متأخر لنسخ النموذج الصيني من الليبرالية الاقتصادية النسبية مع سيطرة سياسية محكمة أنتهى المطاف بها بكونها نسخة مقلوبة من الاتحاد السوفيتي. عندما سقطت الشيوعية في روسيا، تحولت الدولة إلى رأسمالية محاسيب، بينما في العالم العربي التحرر الجزئي في تسعينات القرن المنصرم جلب أولاً المحسوبية ثم الاستياء الشعبي الذي أسقط الأنظمة في نهاية المطاف.

دبي، مدن متلألئة في الصحراء.
دبي، مدن متلألئة في الصحراء.

 

بدلاً من محاولة تحقيق الشرعية من خلال الديمقراطية وحكم القانون، أعتمد الحكام في الغالب على قوة “المخابرات”، وهي الشرطة السرية المنتشرة في كل مكان، والتي غالباً ما تكون الجهاز الأكثر تنظيما في الدولة. في الدول التي يطغى عليها الدين، استفاد الحكام لفترة طويلة جدا من التقاليد الدينية بطاعة الحاكم، حتى لو كان سيء، لمنع الفتنة بين المسلمين. لكن الآن هناك فتنة كثيرة. القمع والسجن والتعذيب غذى المعتقد السائد بأن الحكام العرب، هم في الحقيقة، غير مؤمنين.

وسط هذه الاضطرابات، من المغري الوصول إلى أوجه تشابه تاريخية.  رأى البعض مبكراً الانتفاضات العربية كإعادة لعملية انتشار الديمقراطية في أوربا بعد سقوط الشيوعية عام 1989، لكن لاحقاً المقارنة الأفضل التفكك العنيف ليوغوسلافيا السابقة  في تسعينات القرن الماضي.

يمكن القول أن الظروف الحالية هي أحدث مرحلة في انهيار الإمبراطورية العثمانية حيث انفصلت ولاياتها الأوربية عنها في القرن التاسع عشر، بينما الولايات العربية انفصلت في القرن العشرين، والدول العربية التي نتجت من ذلك أصبحت تتفتت في القرن الواحد والعشرين. عرب اليوم لايزالون يواجهون نفس السؤال الذي واجه أجدادهم في العهد العثماني في كل مرة يصدمون بالحداثة والتفوق الأوربي: لماذا العالم الإسلامي بإمبراطورياته العالمية المجيدة أصبح ذليل جداً؟

سيقول البعض لأن الغرب أثبت تفوقه، والحل للعرب هو اعتماد المعايير الغربية التي تشمل العلمانية والعقلانية وقبل كل شيء، الديمقراطية. لكن هناك الذي يعتقد أن المسلمين قد عانوا لأنهم فشلوا في الالتزام بأوامر الله، والحل الوحيد هو العودة للنقاء الديني من زمن الخلفاء الراشدين. يقول المعلق السعودي «خالد الدخيل»: “لدينا مشكلة مزمنة في الحكم عمرها أكثر من 1400 سنة. من هو الأحق بخلافة النبي؟ لا يزال هذا السؤال يتربص بنا”

من هنا لقراءة الجزء الثاني

شاهد أيضاً

فيديو | جنود عراقيين يضحون بأنفسهم للقبض على إنتحاري 😲✌️

إنتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يظهر جنود في الجيش العراقي ولحظة تمكنهم من …