الرئيسية > اخبار مختارة > باص أبو الطابقين يحاربه أصحاب الكيا ونقاط التفتيش وسائقوه يؤكدون أنه “للعطالة البطالة”

باص أبو الطابقين يحاربه أصحاب الكيا ونقاط التفتيش وسائقوه يؤكدون أنه “للعطالة البطالة”

يتذكر محمود بشوق يختلط بالحسرة أيام شبابه وطفولته وهو يجلس في الطابق الأعلى للباص الأحمر، مستمتعا بالنظر لحركة الناس المتواصلة في شارع الجمهورية.. ويستعيد على إيقاع حركة الباص البطيئة تلك الأيام التي كان يصعد فيها الباص رقم 15 لإيصاله من بيته الواقع في منطقة الزوية إلى مكان عمله في منطقة باب المعظم.

ويقول محمود عبد الامير (68 سنة) “حين أصعد هذا الباص لا أهتم لبطئه الشديد أو حالته السيئة فهو يذكرني بالأيام الجميلة التي كانت عليها بغداد في سبعينيات القرن الماضي”، ويواصل “أكثر ما كان يعجبني في هذه الحافلات التزامها بالوقت المحدد لها، وحركتها المنتظمة والجميلة في معظم شوارع بغداد، وأرى أن عودتها هي عودة للحياة”.

ويضيف عبد الأمير أن”حركة تلك الباصات كانت نموذجا وعلامة مميزة جدا لدرجة الانضباط والدقة في المواعيد، حتى أن إيقاع العمل والحياة بأكمله كان يتغير بحسب مواعيد حركتها المنتظمة في جميع أنحاء العاصمة، مع أجور ثابتة وزهيدة”، ثم يتحسر ويقول “لا يمكن لكم أن تتخيلوا كم أنا مشتاق لرؤية تذاكر صعود تلك الباصات الملونة الصغيرة أم الخط أو الخطين”.

قلوبنا مع أبو الطابقين ولكن ..!
في هذه الأثناء، وعلى مقربة من “أبو الطابقين” البطيء والضخم، كانت تتحرك سيارة “كيا” بصعوبة وسط الزحام .. وهي باص صغير استحوذ على سوق النقل العام في الشارع العراقي منذ سنوات قريبة، وكان كما يبدو أن هناك نقاشا حادا يدور بين ركابه.. وسرعان ما مد أحد ركابه رأسه من النافذة ليقول موجها كلامه لسائق الباص “الله يرحم أيام الأمانة اليوم لازم أصعد وياكم صار لي سنين ما صاعد بيهه.. ثم يصرخ بسائق “الكيا” …”نازل.. نازل” وينتقل صاعدا الباص وهو يقول لركابه “اليوم أريد ارتاح من الكيات وأتذكر أحلى أيام عمري وي أبو الطابقين”.

الترحيب كان حارا بالراكب الجديد من قبل ركاب (ابو الطابقين) لمعرفتهم بهذا الإحساس الجميل الذي يشترك فيه جميع أهالي بغداد، وبعد مرور نصف ساعة من الحديث الشيق مع الركاب القليلين، وعدم تقدم الباص في الشارع أكثر من 100 متر.. فإذ بالراكب الجديد يتقدم إلى مكان السائق سائلا عن سبب هذا المسير البطيء.. فيرد عليه فورا “أخويه.. هذا باص للعطالة بطالة..وهو أنجح وسيلة لقتل الوقت وليس لادخار المال..أنصحك ترجع تركب الكيا مالتك!!”.

مثقفون: أبو الطابقين رمز من رموز بغداد
وعلى الرغم من تحسن الحالة المعاشية للكثير من العراقيين بعد العام 2003 فإن الحافلات ذات الطابقين مازالت تحمل نكهة مميزة لدى الكثير من البغداديين وخاصة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ولعل حب البغداديين لهذه السيارة العملاقة دفعت بوزارة النقل بداية العام الجاري إلى التعاقد على شراء 60 حافلة ذات الطابقين بكلفة نحو 15 مليون دولار لإنعاش قطاع النقل العام في العاصمة، وتغيير الاسطول القديم الذي ما يزال داخل الخدمة.

ويعتبر الشاعر إبراهيم الخياط في حديث لـ”السومرية نيوز”، أن عودة الحافلات ذات الطابقين “تعني الكثير للبغداديين”، ويقول “هذه الحافلة الجميلة الحسناء التي طالما استمتعنا معها، وكانت رمزا من رموز بغداد حينذاك”.

ويتابع قائلا إن “الحافلات ذات الطابقين كانت تقل المواطنين من منطقة لأخرى وبأجور قليلة، وعودتها من جديد إلى شوارع بغداد تعني بالتأكيد عودة الحياة والبسمة للناس ولبغداد .”

ويصف الصحافي إسماعيل زاير عودة الحافلات ذات الطابقين بحلة جدية بـ”الفأل الحسن لبغداد وللبغداديين”، ويعتقد انه “من شأنها أن تحل الكثير من مشاكل النقل” .

سواق: عانينا من القديمة ونأمل من الجديدة
وبالنسبة لسائقي الحافلات ذات الطابقين فإن القديم منها يمثل مشاكل مستمرة وخسارة شبه يومية، اما الجديد منها فيأملون أن يعيد لقطاع النقال العام في بغداد هيبته بعد نزوله إلى الخدمة.

من جانبه يقول محمد سائق إحدى الحافلات ذات الطابقين على طريق ساحة النصر شورجة في حديث لـ”السومرية نيوز” “معاناتنا قديمة قدم الحافلة”ويوضح “متاعبنا مع الركاب ومع الدائرة ومع الحافلة نفسها لا تنتهي”، ثم يشير إلى الحافلة بيده ويقول “انظر كما ترى أنها أصبحت قديمة وتحتاج إلى من يرعاها ويخدمها أكثر مما تخدم الناس”.

فيما يعتبر السائق أبو علاء أن معاناة السواق من هذه الحافلات القديمة ليس فقط بسبب الاعطلال التي تحدث فيها وإنما مطالبة الشركة العامة لنقل المسافرين والوفود بان لاتقل عائدات الحافلة لليوم الواحد عن 75 ألف دينار”، لافتا إلى أن “السواق هذه الحافلات غالبا ما يقومون بتكملة المبلغ من جيوبهم الخاصة”.

ويلفت أبو علاء إلى أن “الحافلات الجديدة في حال نزولها إلى شوارع بغداد ستحل الكثير من معاناة السواق وخاصة أنها ستكون سريعة ومرغوبة من قبل المواطنين نظرا للمواصفات الحديثة فيها”، مؤكدا أن “الحافلات الجديدة ستنافس أصحاب الفولكات وأصحاب الكيات”.

النقل: اشترينا حافلات مكيفة مع تلفزيون وكاميرات ولكن..
ويقول مدير عام الشركة العامة لنقل المسافرين والوفود عادل جبار الساعدي في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “الشركة لديها حاليا عدد قليل من الحافلات القديمة التي تعمل في شوارع بغداد بعد أن كانت تمتلك 300 حافلة قبل العام 2003” ، مبينا أن “هذه الحافلات قديمة وغير مجدية للشركة وللمواطن على حد سواء، خاصة وأن تكاليف تصليح هذه الحافلات أكثر من العوائد المالية التي تحصل عليها الشركة”.

ويواصل “وبهدف إعادة أسطول الشركة من الحافلات اشترت الشركة 70 حافلة جديدة منها 60 حافلة ذات الطابقين وعشرة حافلات ذات طابق واحد من شركة الباهوس الاردنية”، ويشير إلى أن “الحافلات الجديدة ذات مواصفات حديثة حيث إنها تعمل بنظام القطع الآلي كما أنها مكيفة ومزودة بكاميرات مراقبة، إضافة إلى أنها مزودة بشاشات تلفاز حديثة”.

إلا ان الساعدي يشير إلى أن هذه الحافلات لم تدخل الخدمة بعد “بسبب عدة معوقات”، ويوضح أن أهمها “كثرة المطبات والحفر في الشوارع، إضافة إلى الأسلاك الكهربائية والمظلات الخاصة بنقاط التفتيش”، مبينا أن “الشركة تتباحثت مع مجلس محافظة بغداد بشان تجاوز هذه العقبات”.

وتمتلك وزارة النقل ما يعادل 50% من أسهم شركة البهاوس التي ستكون الوكيل ألحصري لبيع الحافلات في العراق، مؤكدة أن الحافلات التي سيتم استيرادها من الشركة سيتم توزيعها على كافة الوزارات العراقية لنقل موظفيها من وإلى أماكن عملهم ، إضافة إلى نقل المواطنين في شوارع بغداد.

سنحارب “ابو الطابقين” حتى الموت !
على الرغم من أن الحافلات لديها مسار واحد ثابت إلا أن أصحاب هذه الحافلات غالبا ما يواجهون مشاكل مع أصحاب الباصات والحافلات الصغيرة، تصل في بعض الأحيان إلى العراك بالأيدي .

ويقول محسن احد أصحاب الباصات الصغيرة (الكيا) في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “الحافلات ذات الطابقين غالبا ما كانت تتوقف في أماكن غير مخصصة لها وتحاول حمل اكبر عدد ممكن من الركاب وبالتالي فإنها تحرمنا من العمل في هذه الشوارع”، ويلفت إلى أن شرطة المرور “غالبا ما تتساهل مع هذه الحافلات باعتبارها تعود للدولة”.

ويشدد محسن “أبو الكيا” على أن “عودة هذه الحافلات إلى شوارع بغداد معناها عودة الحرب بيننا وعودة المشاجرات، لأن أصحاب الباصات سوف لن يتنازلوا عن حقهم هذه المرة ولهذا سنتقاتل نحن معهم حتى الموت”.

يشار إلى أن عددا محدودا من عواصم دول العالم تستخدم الباصات ذات الطابقين، ومن بينها لندن وقد عادت هذه الحافلات من جديد إلى شوارعها عام 2010 بعد توقف دام لمدة ستة أعوام من إيقاف العمل بأسطول الحافلات فيها المسمى روت ماستر لانتهاء عمرها الافتراضي، إلا أن بغداد عادت إلى استخدام هذه الحافلات بعد عمليات السلب والنهب التي طالتها بعد العام 2003.

المرور: الحافلات لاتلتزم بأنظمة وقواعد المرور
وعلى الرغم من أن أغلب حالات الزحام في شوارع بغداد تعود إلى الإعداد الكبيرة للسيارات التي دخلت للعراق بعد عام 2003 وقيام عمليات بغداد بقطع بعض الطرق بسبب الأوضاع الأمنية ولكن كما يبدو أن هذه حافلة “ابو الطابقين” لها صلة أيضا بأسباب حدوث هذا الزحام.

ويقول المتحدث الرسمي باسم مديرية المرور العامة العميد عمار وليد لـ”السومرية نيوز”، أن “أغلب الحافلات لا تلتزم بالأماكن المخصصة لوقوفها خلال صعود ونزول الركاب ما يؤدي إلى عرقلة السير وحدوث ازدحام في شوارع بغداد وخاصة في منطقة الشورجة التي تكثر فيها هذه الحافلات”.

ويبين وليد أن “مديرية المرور ستكون مشاركة في اللجنة التي ستضع الخطة التشغيلية لهذه الحافلات في أحياء بغداد وضواحيها بالتنسيق مع عمليات بغداد ووزارة النقل والجهات ذات العلاقة”، مطالبا وزارة النقل” بضرورة إلزام جميع أصحاب الحافلات بالوقوف في الأماكن المخصصة لها “.

ودخلت الحافلات إلى العراق في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي مع توسع مدينة بغداد فدخلت بعض حافلات بطابق واحد نوع كوير ثم آسى الحمراء وسيارة كان يطلق عليها (أم اللوكة) ثم جاءت (لالستر الحمراء) و(اعلاندون) وكانت هذه السيارات مقسمة إلى قسمين المقاطع الأمامية من القماش وتكون أجرتها خمسة عشر فلساً والمقاعد الخشبية بعشرة فلوس.

وكان طاقم السيارة مكونا من السائق والجابي والمفتش ولهم قبعاتهم وأزياؤهم الخاصة وكان المفتش إذا وجد شخصاً واقفاً في “المصلحة” أي الباص، يفرض عليه غرامة، كما كان هناك نظام (الاختياري) حيث يضغط الراكب على زر الضوء أو الجرس فيقف السائق وكانت (الأمانة) كما يطلق عليها تبيع دفاتر البطاقات الشهرية لمن يريد اقتناءها والباصات تلك كانت تسير وفق نظام مدروس.

يذكر أن مصلحة نقل الركاب تشكلت في مدينة بغداد في العـام 1938 بموجب القانون رقــم (38) لسنة 1938 وحدد رأسمالها بمبلغ (200) ألف دينار آنذاك ، ليتم ربطها فيما بعد بوزارة النقل وأصبحت المنشاة العامة لنقل الركاب في العام 1976 وسبق وتعرض أسطول الشركة من الحافلات التي تعتمد على التمويل الذاتي إلى عمليات سلب ونهب خلال اجتياح العراق من قبل القوات الأميركية العام 2003.

شاهد أيضاً

كيف تدفعك المتاجر الكبيرة إلى شراء المنتجات الغير ضرورية؟

كم عدد المرات التي قمت فيها بعمليات شراء غير ضرورية عندما تكون في المتجر أو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *