الرئيسية > اخبار العراق > القيم والأعراف، هل شملها الاجتثاث والتطور والحداثة بعد عام 2003

القيم والأعراف، هل شملها الاجتثاث والتطور والحداثة بعد عام 2003

القيم الأخلاقية هي التربة الخصبة لنشوء الأجيال الجديدة في المجتمع ، والتي تمدها بكل ما هو ضروري لعملية بقائها مستمرة على قيد الحياة ، فهي إذا تمثل صيرورة النشأة ، والابتداء، والتي تتكون من خلالها الهوية الأخلاقية للمجتمع من خلال أفراده ، وهذا ما يؤكده الشاعر من خلال جميل أبياته : وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت …. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .

ولكن عندما لا ترغب البراعم الجديدة في أن تنمو ويشتد عودها ، وتورق أغصانها في ظل هذه التربة ، فأن المجتمع سيعاني ظهور الأدغال المتوحشة على سطحه التي تنمو غريبة فيه ، فتؤثر بدورها على نمو الأجيال الجديدة ، مما تؤدي إلى تغير ديمغرافي في صورة المجتمع ينعكس كسلوك هجين في الواقع الحياتي المعاش .

رصدنا تنامي سلوك غريب بين أبناء الجيل الجديد بالنسبة لجيل الآباء، وخصوصا في مرأب النقل ، في باصات الأجرة من عدم اكتراث الشباب لبقاء الرجل المسن واقفا على قدميه على طول مسافة الطريق ، وعدم المبادرة ، والنهوض ؛ لإجلاسه في محلهم .

استطلعنا أراء بعض المواطنين ، والمختصين عن أسباب نشوء هذا السلوك الجديد في المجتمع بين أجيال الشباب ، فكانت الأجوبة تحمل بين طياتها آلم الحروف ، ومعاناة الكلمات ، ومرارة الألفاظ ، لما يحمله هذا السلوك من عقوق لقيمة الأبوة في المجتمع .

حيث يرى يحيى علي ( 40 عاما ) أن هذه الظاهرة تؤشر بما لايقبل الشك على انسلاخ القيم ، والأعراف المجتمعية الأصيلة ، والتي نقشها الأجداد فينا ونحن صغار . وأضاف : تعدُ هذه الظاهرة اليوم انعكاسا لانعدام القيم ، وتلاشيها ابتدأ من العائلة ، ومرورا بالمدرسة . وكشف : أن الطفل ومنذ أواخر عقد الثمانينيات ، وبداية إطلالة هذا القرن لم يشاهد أو يسمع المعاني الحقيقية للتربية ، والتوجيه الأبوي التقويمي الذي يعكس بدوره السلوك الصحيح بدلا من الرديء في الشارع حسب تعبيره .

إلى ذلك عدَ احمد عبد الرحمن ( 25 عاما ) أسباب انتشار هذه الظاهرة في العراق في معرض حديثه بالقول : نتيجة التقدم الحاصل ، والتغيير في الثقافات ، وانفتاح العراق ، وبالأخص الشباب على الثقافات الأخرى ، والتعاليم الجديدة ؛ غيرت كثيرا من التقاليد العراقية الأصيلة . عازيا أسباب هذا التغيير إلى اختلاف الوعي لدى الشباب العراقي ، وعدم التزامه بتقاليد الأهل التي نشأ عليها .

من جانبها أكدت شيماء جواد ( 43 عاما ) على وجود هذه الظاهرة فعلا بالمجتمع ، إلا أنها استدركت حديثها بالقول بأنها لاتمتد على جميع شرائح المجتمع . وأضافت : فمن الملاحظ أن الشاب المثقف ، والذي يمتلك قدرا معتد به من العلم يبدي اهتمامه بالفئة المسنة ، ويظهر جميل احترامه لهم . ثم بينت : أن الشباب الذين لايتمتعون بأدنى درجات الوعي ، والذين غالبا ما يقضون أوقات فراغهم بأشياء غير ضرورية ، غير مكترثين بتخصيص وقت مناسب لتعلم هذه القيم ، التي تعطي للحياة جمالها المنشود ، هم من يمارس عدم الاحترام في المجتمع .

وخلصت بالقول : إن سبب بروز هذه الظاهرة هو انعدام الثقافة ، والضعف في شخصية الفرد ، والتي يكون منشئها غالبا هو البيئة ، والمحيط ، والنشأة ، والتربية .

أم سرمد ( 35 عاما ) بدا على محياها الألم في جوابها عن سؤالنا حيث قالت : إنها صورة ٌ قاحلة ٌ بليدة ٌ لزمن تموت فيه القيم ، والأخلاق الطيبة ، والصفات الحميدة ، وتولد بدلا منها الأنانية ، والغرور الأجوف الأحمق . وأضافت : فلا مرؤة تعيش في كنف شاب أناني لايفضل أن يخدم الآخرين الأكبر منه سنا ، ثم ألا يعلم انه يوما ما سيصبح ذلك الطاعن في السن ، ويتملكه الضعف ، والوهن بعد القوة ، وريعان الشباب ، فليحذر دورة الزمن ، وقسوة الأيام التي يسير إليها حثيثا في كل لحظة يفتقدها من عمره .

فيما حملت رؤى عاشور ( 26 عاما ) انعكاس مثل هذه الظاهرة كسلوك في المجتمع على تربية الوالدين لأولادهم ، لان الأبوان هما من يقع على عاتقهما مسؤولية توعية ، وإرشاد النشء الجديد . وأضافت : فلابد للأب أو الأم من تعليم أولادهم كيفية احترام فارق السن بين الناس ، واحترام المرأة ، واحترام الآراء الخاصة بالأشخاص ، وعدم الاستهزاء بها ؛ لان الاحترام كائن حي يحتاج إلى الرعاية كي ينمو سليما في شخصية الإنسان .

وأبدت رؤى أسفها الشديد من تفشي ظاهرة جلوس الشباب في باصات الأجرة ، وترك الأكبر سنا واقفا في الباص على طول مسافة الطريق تقريبا . وأضافت : هذا الشيء بدا ملموسا في هذه الأيام ، وتعتبر هذه الظاهر غير لائقة لغيرة المواطن العراقي المعرف بها ، ولا تتناسب مع معاير العطف الإنساني ، والتربوي ، مما يثير الشك في تغير المجتمع والحس التربوي للفرد العراقي . وأكدت : والشيء الذي يثير الاستغراب هو عندما ينظر الشخص الكبير إلى الجالسين بنظرة العطف ، والرجاء يبادله الجالسون باللامبالاة !، وتغير الموضوع !، والالتفات إلى الجهة الآخرة ! مما يحز في القلب رؤية مثل هكذا موقف .

وفي نهاية حديثها أطلقت رؤى تساؤلا مفتوح العتب في نهاياته ؟ قائلة : أين ذهبت المروءة ، والإنسانية عن قلوبنا هل أصبحت في طي النسيان أم هي سراب يحسبه الظمآن ماء أم هيه عدم مراعاة شعور الاخرين .

إلى ذلك رأى الباحث والمهتم في الشأن الإسلامي مهدي عبد السادة ( 33 عاما ) بالقول : لايخفى أن طفح ظاهرة كهذه على السطح هو مؤشر على بداية التصدع في جدار البنية الأخلاقية في مجتمعنا العراقي .

وأضاف : إن النظام الشمولي الاستبدادي البائد سعى جاهدا لهدم هذه البنية وبشكل جدي ، من خلال حربه الشعواء على كل قيم الإسلام وآدابه ؛ لأنه كان ينظر إليها كعامل مغذي لمعارضته . ولفت : أن النظام المقبور فرض الميكافيلية بكل ما تحمله من نفعية ، وانتهازية كأمر واقع على الفرد ؛ حتى يتكيف معها كواقع معاش على حد تعبيره .

وتابع بالقول : لاننسى عامل الاستباحة التي تعرضت لها بنية المجتمع العراقي بعد الاحتلال ، من خلال الفضائيات التافهة التي قتلت فرصة الوقت ، والتي كان من الممكن أن يستثمرها الفرد في فهم ، وترميم منظومته الأخلاقية .

وفي ذات السياق أكد المربي الفاضل كامل حمدان ( 50 عاما ) على أن هذا السلوك يمثل مؤشرا على تعرض البناء القيمي للمجتمع إلى هزة أو صدمة عنيفة . ولفت : إننا بالأصل كمجتمع لدينا ثلاث دعامات أخلاقية تقف بالضد من أي سلوك خاطئ يقدم على ارتكابه الفرد في المجتمع ، وهي كوننا مجتمع عربي له منظومته الخاصة في القيم ، والأفكار ، والأخلاق ، ثانيا نحن مجتمع إسلامي ، فالدين له منظومته الأخلاقية للعقاب والثواب ، وثالثا نحن مجتمع إنساني ، فلا تراثنا العربي ، ولاديننا ، ولا منطقنا الإنساني يقر بهذا السلوك .

وأكد : أن تعرض المجتمع العراقي إلى جملة عوامل داخلية ، وخارجية ؛ أدت إلى اهتزاز المنظومة الأخلاقية للمجتمع ككل كالحروب ، والحصار ، والاحتلال ، والسجالات السياسية المستمرة في البلد.

وكشف : أن هناك نوعا من التقاطع بين الجيل القديم ، والجيل الحديث ، حيث أن هناك فجوة تبرز في تعامل جيل الأبناء مع الآباء ، مما يدلل على وجود صورة مشوهة لقيم الاحترام ، وفارق السن في ذهنية الجيل الجديد .

وعن حلول لهذا السلوك الذي بدا واضحا لدى الجيل الجديد ، قائلا : لابد من تظافر الجهود بين مؤسسات الدولة ، ومنظمات المجتمع المدني ، ووسائل الإعلام المختلفة ، والمؤسسة الدينية ؛ باعتباره الدين عامل ضبط في المجتمع للقيام بحملات توعية مستمرة للأجيال الجديدة ، وربطها بمنظومتها العربية الإسلامية ، وتراثها الإنساني ، وتعريف هذه الأجيال على ما يمتلكه هذا التراث من قيم تصنع الحياة بصدق ، وأدب ، واحترام .

شاهد أيضاً

فيديو | جنود عراقيين يضحون بأنفسهم للقبض على إنتحاري 😲✌️

إنتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يظهر جنود في الجيش العراقي ولحظة تمكنهم من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *