الرئيسية > اخبار العراق > احداث امنية > العراق الديمقراطي الجديد يتحول من عصر الحداثة الى عصر الحريم

العراق الديمقراطي الجديد يتحول من عصر الحداثة الى عصر الحريم

كشك ازرق مصنوع من ‘الجينكو’ ، حشر بين مجموعة اكشاك متجاوزة على الرصيف ، تنوع نشاطها في بيع الملابس القديمة ‘البالات ‘ والكافيتريات الصغيرة ، لكن ذلك الازرق الصدئ مثير للانتباه ، لاسيما أصوات الأناشيد والأهازيج الدينية التي تعلو من داخله والتي ترتفع بشكل تدريجي مع اقتراب المناسبات الدينية، يعمل فيه رجل متوسط العمر بذقن اسود كثيف يغزوه الشيب ، بملامح حادة لا يضحك أبدا يبيع الأقراص الدينية في مربعه المتجاوز على الأملاك العامة ، لكن الغريب انه يحول كشكه الى لوحة اعلانات بفتاوى دينية غير معروفة المصدر.

يشير احد سكنة تلك المنطقة الشعبية من بغداد ان هذا الرجل يلصق على جدار محله ‘الحواسم ‘ اوراقا بيضاء وصفراء كتب عليها بخط يد متعرج احيانا وبكتابة طابعة الحاسبات احيانا اخرى تبتدئ وتنتهي بكلمة ‘حرام ‘. يضيف الرجل الذي فضل عدم ذكر اسمه ان ‘ الفتاوى التي يعتمدها في كتاباته على جداره الحر مخيفة وتتوعد بالنار والعذاب في الاخرة ، لكنها غير معروفة المصدر’، ويذكر الرجل الذي يمر يوميا امام الكشك ويتعمد قراءة ما مكتوب بشكل دوري لأن صاحب الفتاوى يغيرها باستمرار كمن يضع ‘حكمة اليوم’، ان اغلب الفتاوى موجهة الى النساء مثل : هل تعلمين ان لبس الجبة الضيقة حرام، ولبس الألوان حرام ، والسفور الى النار، والمتبرجة الى جنهم وبئس المصير .
من أين جاء بالفتاوى ؟
لم يكن من السهل الاقتراب من ذلك الرجل العابس دوما وسؤاله عن لوحات ورقية يهتم جدا في ابرازها وتجديدها بشكل شبه يومي. لم نفهم حقيقة الرابط المشترك بين بيع ‘السيديات ‘ ووضع فتاوى موجهة إلى المرأة، حتى بدونا وكأننا نشتري قرصا مدمجا من مكتبته العامرة بمختلف صور المنشدين الدينيين والشعراء، وبينما كان يدير ظهره للرفوف التي تراكم عليها التراب على اثر العاصفة الترابية التي ضربت بغداد ، توجهنا اليه بسؤال حذر عن الدافع وراء وضع هذه الفتاوى ؟ قال وقد ترك ‘الخرقة’ البالية التي يزيل بها ذرات التراب على الاقراص : انها مسؤولية ان ادعو الى المعروف وأنهى عن المنكر ، ورفض ان يطلعنا على مصدر الفتاوى ، وعقد حاجبيه وتجمعت ملامحه في وسط وجهه وبدا عليه الانزعاج الكبير ، لذلك قررنا الانسحاب بهدوء بعد ان دفعنا ثمن القرص الليزري. وشاهدنا قبل ان نغادر انه قد وضع لوحات جديدة كتب عليها ‘ عزيزتي المرأة هل تعلمين ان العمل في صالونات حلاقة النساء المتبرجات حرام وتزين النساء حرام’.
وتنتشر في العاصمة الكثير من اللوحات واليافطات غير المرخصة والتي تحمل صور شخصيات مختلفة ، وبعضها تؤرشف حوادث ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء ، وأخرى يكتب في وسطها عبارات تنتقص من النساء وترفض مصافحتهن ، والقائمة تطول بتلك الجدرايات الحرة التي يضعها الجمهور ، كما يقول المتحدث باسم امانة بغداد ، ان العاصمة تريد ان تغير بعض الصور واليافطات لكي تليق بشكل العاصمة الجديد .ويؤكد حكيم عبد الزهرة ان معظم الجدرايات الموجودة في بغداد غير مرخصة ، وهي توضع من قبل الأهالي. وتسعى الأمانة على حد قول المتحدث باسمها الى وضع قانون ينظم وضع الاعلانات والجداريات .
وكانت جماعات ‘مجهولة ‘ في العراق بدأت حملة لتضييق الخناق على الحريات الشخصية ، من خلال اصدار لوائح بأسماء شباب تتهمهم بإفساد الأرض بملابسهم الأجنبية الغريبة واطالة الشعر ، حتى اخذ الموضوع منحى آخر بالحديث عن ضحايا لقوا حتفهم بحجر ‘البلوك ‘ ، وقيام الشرطة بحلق شعر الشباب والاعتداء عليهم بالضرب ، وهو ما تنفيه الداخلية بشكل مستمر، بعد ان كانت قد نشرت على موقعها الالكتروني خبرا مفاده انها تسعى وراء ‘الإيمو ‘ وتنوي القضاء عليهم ، ووصفتهم بأنهم عبدة شياطين، فيما راح بعض المسؤولين المحليين في بغداد يطلقون عليهم اسم ‘مصاصو الدماء ‘.
القمع في صوره المختلفة !
وتتخذ نماذج هذه الحملات المضادة للحريات الشخصية صورا متعددة كما تقول السيدة ( ع . ح ) مديرة احدى المدارس الثانوية للبنات في احد الاحياء السكنية في العاصمة حيث تنتشر الدعوات عبر يافطات وكتابات على الجدران تحذر من السفور او الملابس الملونة.
وتضيف المديرة وهي تتحدث بحذر لصحيفة ‘المدى ‘ خاشية من ان تسمع احدى طالباتها عن ماذا يدور الكلام ‘ بعض المدرسات يجبرن الطالبات على ارتداء الحجاب ، انا ارفض هذا في العلن ، لكن المدرسات يفعلن ذلك في السر’.يشار الى ان وزارة التربية اكدت في وقت سابق أنها لم توجه أي قرار لمدارس البنات بارتداء الطالبات الحجاب وبمن فيهن الطالبات غير المسلمات.
وقال المتحدث الرسمي لوزارة التربية وليد حسين إن’ الوزارة لم تصدر اي توجيه او قرار بفرض الحجاب في المدارس، مبيناً أن’ ذلك مجرد اجتهادات شخصية من بعض إدارات المدارس لـ ‘عدم تعرضهن لمشاكسات من قبل الشباب’ وهو تعبير يندرج ضمن قائمة تلك المفارقات’.
وأضاف إن’ الوزارة تتابع عمل إدارات المدارس عبر جهاز اشراف ومتابعة في جميع انحاء العراق لعدم اجبار الطالبات على ارتداء الحجاب ‘، مشيراً الى أنها’ ستشكل لجانا للتحقيق مع اية ادارة يثبت فرضها لبس الحجاب على الطالبات لأن ذلك يعد مخالفة للقانون’.
يذكر أن بعض النواب ومسؤولين حكوميين أشاروا في وقت سابق الى ان القرارات تصدر كاجتهادات فردية مثل فصل الإناث عن الذكور في الجامعات والمدارس أو ارتداء الحجاب . وكانت مصادر تربوية، قد ذكرت في وقت سابق، أن العديد من المدرسين والمدرسات العاملين في المدارس الاعدادية والثانوية في بعض المحافظات يقومون بفرض الحجاب على الطالبات، ومنهن طالبات من الديانات الاخرى’.
من الضحية الأخرى ؟
وتشتكي الطالبات الجامعيات من تدخل البعض في فرض ملابس معينة مقابل السماح لأخريات بالمرور من قبل حرس الجامعة ، فالطالبة دعاء محمد في الجامعة المستنصرية تؤكد لصحيفة ‘المدى ‘ ان هناك تعمداً من قبل بعض افراد الحرس الجامعي بعدم ادخال الطالبات اللاتي يرتدين (البنطلون الجينز) او (التنورة) القصيرة، لاسباب تعزوها الى الحملة الرجعية التي تقودها بعض الجهات ضد اي مظهر من مظاهر المدنية وتضييق الحريات على النساء.
ويؤشر عدد من الطالبات في الجامعة ان هناك مزاجية في السماح لهن بالمرور من البوابة الرئيسية للجامعة من قبل الحرس المتواجد في البوابة، حيث تشدد الطالبة سرى حليم في المستنصرية ايضا في حديثها مع ‘المدى ‘ ان بعض الطالبات يضطررن للابتسام بوجه الحارس الجامعي والقاء التحية الصباحية بشكل اكثر خصوصية حتى يسمح لها بالمرور، والتي تمتنع عن الابتسامة قد تواجه رفض الحارس القاطع لادخالها. مؤكدة وجود بعض الاجتهادات من قبل بعض افراد الحرس الجامعي في وضع الشروط والقيود على ملابس الطالبات، وتشير الى ان بعضهم يمنع الطالبات من الدخول لانه يعتقد بأنها تخرق القيم والعادات والدين حين ترتدي ملابس ضيقة او قصيرة. وتبين انها تخرج بملابسها نفسها التي ترتديها في الكلية امام اهلها واحيانا والدها او اخيها الذي يوصلها الى الجامعة ولا يحق لاي شخص ان يعلق على ملابسها وتعده أمرا شخصيا.
من جانبها تؤكد الناشطة والأكاديمية د.بشرى العبيدي وجود توجيهات فردية من قبل بعض عمداء الكليات في التزام الطالبات بـ’الحشمة ‘ كما يصر على استخدام هذا اللفظ الكثير من الاساتذة في الجامعات العراقية .وتضيف العبيدي وهي من أساتذة القانون في جامعة بغداد ، بأن الكثير من الطالبات يشتكين من تدخل طلاب وأساتذة في ملابسهن ، والطلاب يعتقدون –على حد قول العبيدي – ان جهات خارجية من دول مجاورة تدعم هذه الاجراءات وتحاول نقل تجربتها الى العراق.
الانتقال إلى العنف !
الحث على ارتداء الحجاب يأخذ طابعا عنيفا في بعض الاحيان ، كما في احدى اليافطات الموضوعة والممتدة على جدار بطول اكثر من مترين كتب فوقها ‘ نحذر…نحذر …من التبرج والسفور لأن في ذلك مخالفة لجميع الاديان’ ، ووضع في احدى جوانبها عبارة ‘وقد اعذر من انذر ‘ ، كما حذرت اليافطة من ازالتها متوعدة من يقوم بذلك بأنه سوف يحاسب وبشدة.فيما يعتبر رئيس لجنة الأوقاف والشؤون الدينية في مجلس النواب ان تلك العبارات هي تهديدية وليست فتاوى.النائب علي العلاق اكد في اتصال مع ‘المدى’ انه من الناحية الشرعية تكون الفتوى معتبرة حينما تكون بختم وإمضاء الجهة الشرعية المخولة باصدار الفتوى ، مضيفا ‘ هناك مكاتب في العراق ومعروفة للجميع يسمح لها باصدار الفتاوى والتعليمات الدينية’. مرجحا ان تلك العبارات تخص بعض الجماعات التي تريد ان توجه الجمهور الى شيء معين وتثقفها بفكر خاص.
العلاق وهو عضو التحالف الوطني يشير الى ان الشارع العراقي مفتوح للجميع ، واصبحت الشعارات والكتابات منتشرة بشكل واسع على الجدران ، وكل شخص يمكن ان يكتب ما يشاء ، منوها ان البلاد تمر بعملية تغيير واصلاح ، لكن يجب ان تكون بطريقة سلمية بعيدة عن العنف ولا تنتهك الحريات الشخصية لباقي الفئات . داعيا في الوقت نفسه الجهات التنفيذية ان تهتم بهذا الشأن ولا تجعل الشارع يتجه الى التأزم.
الحجاب بأوامر رسمية !
وقد اخذ أمر الحجاب والملابس في العراق جانبا رسميا ، بعدما اصدرت اللجنة الوطنية العليا للنهوض بالمرأة العراقية قائمة عنونتها باسم ‘ الحشمة ‘ تضمن مجموعة من التوصيات الحصرية للموظفات فيما يتعلق بارتداء الملابس ، واوضحت ان المحظورات هي : ارتداء البديات الضيقة والتنورات القصيرة، و ارتداء البنطلونات الضيقة والستريجات والفساتين الواضحة المعالم، و ارتداء الأحذية الخفيفة، و ارتداء الملابس المزركشة واللماعة. وتسعى بعض الوزارات الى تطبيق تلك التعليمات على الرغم من اعتراض الكثيرين من النواب ومنظمات المجتمع المدني على تلك الاجراءات ، فتقول احدى عضوات لجنة حقوق الانسان البرلمانية ان تحديد نوع الملابس ليس من اختصاص الوزارات، وإنما عليها أن تعلن ثورة تصحيحية على الأوضاع الخطأ وتوفير حلول جذرية لظاهرة الفساد وان تكون أنموذجا لباقي الوزارات .وتشير النائبة عن التحالف الكردستاني اشواق الجاف في حديثها مع ‘المدى’ الى أن من واجب الوزارات خدمة المواطن، والدوائر الحكومية تضم موظفين يجب أن يخدموا الجمهور ولا اعتقد أن ملابسهم تمنعهم من خدمة البلد ‘، والجاف تؤيد فكرة اللجوء إلى زي موحد ممكن أن يلتزم به الرجال والنساء على حد سواء.بالمقابل تقول احدى الموظفات التي فضلت عدم ذكر اسمها بأنها تمشي على اطراف قدمها حينما تمر بالقرب من مكتب وكلاء الوزير والمدراء العامين.الموظفة تعمل في إحدى الوزارات السباقات في تطبيقها لتوصيات لجنة النهوض بالمرأة ، بل تشير الموظفة ان المؤسسة الحكومية التي تعمل بها قد اصدرت اوامر سابقة قبل اكثر من سنة من تعليمات لجنة النهوض بالمرأة تفرض على النساء التزام ‘الحشمة ‘ ، وملأت جدران الوزارة بعبارات تطلب من الموظفات حصرا الالتزام بالملابس ‘المحتشمة ‘. وتبين الموظفة ‘الان يمنعون النساء في الوزارة من ارتداء حذاء يصدر صوتا ، ويحذر شرطة حماية المؤسسات ‘الاف بي اس ‘ من اصدار صوت من الحذاء قرب مكاتب المسؤولين .وتؤكد الموظفة بأن بعض العاملات في تلك الوزارة يبالغن في ارتداء ملابس تصفها بغير المقبولة ، ولكن لا يتم محاسبتهن ، لأنهن يعملن كسكرتيرات للمدراء العامين ووكلاء الوزير ، ولا يتم محاسبتهن في البوابة الرئيسية من قبل حماية الوزارة كما يتم مع كل الموظفات.
يشار انه في وقت سابق اثير جدل حول قيام وزارة العدل باصدار اوامر بضرورة ارتداء الموظفات للحجاب ، وهو ما نفاه الوزير حسن الشمري واكد انها شائعة وكلام غير صحيح .بالمقابل تؤكد الناشطة النسوية المعروفة هناء أدورد أن موضوع المطالبات بارتداء الحجاب يتعلق بالثقافة الذكورية التي تريد أن ترجع المرأة إلى الوراء وهم بتحديدهم زي المرأة ينتهكون المادة 17 من الدستور العراقي التي تكفل الحريات الشخصية للمواطن العراقي، مشددة في حديثها مع ‘المدى ‘ على ان وضع المرأة في العراق تراجيدي فهي لم تحصل على حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، وحتى بنسبة 25% من كوتا البرلمان نحصل على تراجعات فيها. ودعت الناشطة إلى حل وزارة شؤون المرأة لأنها لا تنصف تلك الشريحة التي تمثلها. وكانت قد حذرت بعض وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية على لسان بعض الشخصيات الرفيعة في داخل الحكومة مما أسمته بـ ‘موجة تشدد ديني’ بدأت تسود في العديد من مؤسسات الدولة، وتحدثت عن إبعاد 3 موظفات إلى خارج الأمانة العامة لمجلس الوزراء بحجة عدم التزامهن بالحشمة’، كما تذكر المصادر أن وزارة المرأة نفسها قامت بإجراءات فصل الجنسين في أقسامها .

شاهد أيضاً

قتيلان و37 جريح حصيلة تفجيرات طهران وداعش يتبنى العملية

أعلن مستشار وزير الصحة الايراني عباس زارع نجاد، الاربعاء، عن مقتل شخصين واصابة 37 اخرين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *