الرئيسية > ثقف نفسك > الأحجار الكريمة في الثقافات الشعبية

الأحجار الكريمة في الثقافات الشعبية

الكريمة
منذ عقود كان للحجارة الكريمة ، سواء كانت ألماساً أو ياقوتاً أو حجر الفلاسفة أو زمرداً وغيرها، مكانة وسحر لا مثيل لهما في حياة البشرية وفي جميع الشعوب بفضل بريقها وجمالها وكذلك لقدراتها العلاجية والسحرية المزعومة.
وإلى حدود القرن السابع عشر كانت الحجارة الكريمة تحمل في ألوانها ومكوناتها عدداً من المعتقدات، وحظيت باحترام وتبجيل خاصين، واعتمدها الإنسان في العلاج أو لاستخدامها كتمائم وتعويذات وفي أعمال السحر.

منذ خمسين ألف سنة عرف الإنسان البدائي في الكهوف الحجارة الكريمة فجمعها لما تتميز به من سحر خاص، وبعد ذلك أصبحت تقام حولها بعض الشعائر والطقوس، وفي القديم كان الرومان يربطون العقيق والحجر المنحوت المجوف بالقوة والبأس، وترصع هذه الأنواع من الحجارة شبه الثمينة سواء المنقوشة أو المحفورة الخواتم والحلي، وهي تحمل نقشات أو تدوينات سحرية تهدف إلى تيسير الزواج أو النصر في المعارك أو إلحاق الأذى بالعدو.
واستناداً إلى أحد المؤرخين الأيرلنديين في القرن السابع يعتقد أن حجارة مصدرها الشمس كانت تستعمل كبوصلة للبحارة الفينيقيين: كانت تلتقط أشعة الشمس حتى تحت سماء ملبدة بالغيوم فترشدهم بالتالي على مكانها في السماء لتحديد الاتجاه. وفي بعض قبائل شمال أفريقيا وبالأطلس تحديداً يعتقد أن حجرة زهرة الصحراء، وتسمى أيضاً كريستال وتتكون من مجموعة المعادن التي توجد مدفونة في الصحراء وأكاسيد المعادن، هي في الواقع من آثار عمل الجن، بينما يعتبرها البعض الآخر أجساماً علوية سقطت من السماء.
أما حجر الفلاسفة فكان رمز الخلود والقوة، وفي القرون الوسطى كان يسمى (حجر ليس ككل الحجر). ولا يتعلق الأمر بحجارة كريمة وإنما بمواد قادرة عبر عملية فيزيائية على تحويل المعادن إلى ذهب وكذلك قدرتها على إعادة الشباب وإطالة العمر إلى ما لا نهاية له، وتؤتي الحكمة إذا بلعها الشخص في شكل إكسير. وفي الواقع فإن هذه الأفكار مأخوذة من كتب الخيمياء العربية في القرن العاشر وبالخصوص كتاب (سر الأسرار) الذي انتشر بأوروبا منذ القرن الثاني عشر بفضل الترجمات اللاتينية من طرف جون بسيفيل وفيليب بطرابلس. والياقوت الجمري يعتبر الحجارة الأكثر شهرة وتداولاً في الأدب في القرون الوسطى، وبفضل لونها المتقد والمحمَر فقد نسبت إليها القدرة على تحويل الليل إلى نهار. وفي قصة علاء الدين في حكايات ألف ليلة وليلة، كانت الياقوتة مصدر النور المشع من مصباح علاء الدين السحري. وقد جعلت الأساطير الشعبية من الياقوت زينة ترصع وجه الويفر (أو الحية الأسطورية)، هذا المخلوق الخيالي الذي يتجسد في أغلب الأحيان في شكل تنين.
ومنذ بدايات التاريخ أسندت جميع الشعوب تقريباً الإمكانات والقوى الكامنة لهذه الحجارة، قدرات اكتسبتها بفضل شكلها أو لونها أو قدرتها على تغيير لونها. وتعود أولى الآثار المكتوبة عن هذا الاعتقاد إلى الهند الهندوسية (1800–800 ق.م) حيث يرى العلماء في تلك الحقبة أن في هذه الإشعاعات الطبيعية الصادرة عن الأحجار الكريمة دليلاً على وجود إما الآلهة أو الشياطين ودليلاً على أن موادها تتميز بقدرات. ويعتبر علماء الهند من الأوائل الذين ألفوا كتباً وأبحاثاً نشرت منذ القدم لدى جميع الحضارات التي مرت بحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد عبرت هذه المخطوطات بلاد فارس ثم الشرق الأوسط وانتهت بفضل التجار إلى الغرب عبر اليونان ومصر. وعلى امتداد هذه الرحلات حملت المخطوطات معها المعتقدات البابلية والأشورية وأضيف إليها في بعض الأحيان بعض المعتقدات السحرية المحلية من هنا وهناك. وفي سوريا لعبت طائفة الحرانين دوراً كبيراً في إثراء التقاليد الخاصة بهذه الحجارة. فقد تضمنت المؤلفات عن السحر دروساً حول الحجارة المستعملة إما كتمائم للحماية أو كتعويذات للتأثير، إضافة إلى دور نحاتي الحجارة القبطيين بمصر. فقد انتقلت هذه المخطوطات المكتوبة باللغة اليونانية، والمخصصة بالكامل للحجارة الكريمة وخصائصها عبر صقلية وإسبانيا في حدود القرن الثالث عشر. هناك حيث يتجمع بطليطلة وسيفيل عدد كبير من العلماء المسيحيين واليهود والمسلمين فأعادوا كتابتها باليونانية والعبرية والعربية. ومن أشهر تلك المؤلفات التي انتشرت بسرعة بأوروبا بداية من القرن العاشر كتاب بعنوان (سر الأسرار) لأرسطو. وقد كتب ثانية من طرف علماء الكيمياء القديمة العرب بناء على معارف المصريين والإغريق حول المعادن. وفي أوروبا تركزت الأبحاث حول الحجارة في الغالب في مدارس الطب على غرار مدرسة سلارنو بإيطاليا ومونبلييه بفرنسا.
كما قسمت الحجارة عند بعض الشعوب إلى مذكر ومؤنث. وبعض الحجارة دون غيرها مخصص لعلاج أمراض النساء وأخرى للرجال. إذ تستعمل الحجارة الحمراء –أي اللون المفضل بأوروبا في القرون الوسطى قبل استبداله بالأزرق في القرن 13– لمعالجة الأمراض المتعلقة بالدم. أما الحجارة المتغيرة الألوان فتعالج أمراض العيون. كما تضمنت كتب نحاتي الحجارة الكريمة حجارة خارقة تسند إليها قدرات سحرية مثل أحجار البادزهر أو الياقوت الجمري.
وللحصول على فاعلية علاجية أو لنجاح العملية السحرية من الضروري استعمال الحجارة وفق أربع طرق تحضيرية. أولها عبر الوضع والحك، بوضع الحجرة على الجسم المصاب. ويمكن بالتالي حك اللثة لتثبيت وتقوية الأسنان الملتهبة. أو طحن الحجارة وتحويلها إلى مسحوق ثم يضاف إليه الماء أو الحليب أو ماء الزهر وغيرها مما يسمح بالحصول على قطرة للعين، فتصبح فعالة في معالجة العيون التي تشتكي من الرمص، أو كذلك معادن الكبريتيدات ويشتهر باسم الذهب الكاذب الذي يخلط بالخل. أما الطريقة الثالثة فهي الضمادة أو اللصقة. وبعد أن تسحق حجارة السبج السوداء إلى دقيق يضاف إليها الدهن لمعالجة الجروح والكدمات. بالإضافة إلى أنواع يعتقد أنها دواء فعال ضد لدغات العقارب السامة. والطريقة الرابعة والأخيرة هي التبخير. وتتم عبر حرق الحجارة واستنشاق الدخان المنبعث منها. والعنبر مثلاً يعالج أمراض الحمى.
وبالتوازي مع وظيفتها العلاجية، تؤكد الكتب التي تعود إلى القرن الثامن أنه حتى بمجرد التأمل في الزمرد قد يساعد في علاج العيون وإراحة البصر. إلا أن الاعتقاد في قدرة الحجارة الكريمة الخارقة قد اختفت مع بداية التطور العلمي والتقني. وفي سنة 1644 ألف العالم إنسالم بوسي دي بوت كتاب (المجوهراتي المثالي، أو تاريخ الحجارة الكريمة)، وقام وفق منهج علمي بترتيب الحجارة الكريمة وتصنيفها، وألغى جميع المعتقدات والخرافات المتعلقة بها.
وهكذا في الأخير اختفت الحجارة الكريمة في هدوء من رفوف الصيدليات لتستقر مكانها في المتاحف.

شاهد أيضاً

لماذا الرجل يمتلك حلمات الصدر تماماً كالنساء؟ 🤔

قد تتسائل، لماذا الرجل يمتلك حلمات الصدر تماماً كالنساء؟ في الوقت الذي لا يتواجد أي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *